عندما يتحول البرلمان من "منصة تشريع" إلى مسرح للشعبوية

03:21 - 2026-04-24
سعد جاسم التميمي

الداعي نيوز / مقالات

في النظم الديمقراطية يُعدّ البرلمان الواجهة الأسمى للدولة والمختبر الحقيقي لإنتاج القوانين التي تضمن استقرار المجتمع وتطوره لكن وبقراءة فاحصة للدورة البرلمانية الحالية نجد أننا أمام ردة حقيقية في مستوى الأداء والأشخاص حيث طغت الفوضى وسادت الشعبوية وتراجع المشرع ليحل محله المهرج أو المعقب 

ان كلمة "مشرع" ليست مجرد لقب تشريفي بل هي توصيف لمهمة عظيمة تقع على عاتق من يمتلك الرؤية القانونية والسياسية لصياغة مستقبل البلاد، المشرع هو من يضع القواعد التي تسير عليها الأجيال إلا أن الدورة الحالية كشفت عن فجوة هائلة بين عظمة اللقب ومستوى شاغليه حيث تحولت قبة البرلمان من ساحة للنقاشات الفكرية الرصينة إلى بيئة خصبة للشعبوية الرخيصة التي تداعب العواطف. 

لا يمكن للمراقب أن يتجاهل التدني المعرفي الذي أظهره بعض النواب والذي وصل إلى حد الكوميديا السوداء فبين نائب ينشغل بالحديث عن سرقة الغيوم في طرح يفتقر لأدنى مستويات المنطق العلمي وآخر يقع في فخ الجهل اللغوي والقانوني حين يفسر مصطلح (سَوق) في قانون الخدمة العسكرية والتي تخص التجنيد على انه كلمة (سوكه) باللهجة العامية. 

هذه النماذج لا تمثل نفسها فحسب بل أصبحت مادة دسمة للسخرية في مواقع التواصل الاجتماعي مما أفقد المؤسسة التشريعية هيبتها وجعل من النائب مادة للتهكم بدلاً من أن يكون مرجعاً للحلول. 

ان النائب هو عنوان وطني كبير ودوره الحقيقي يكمن في التصدي لملفات استراتيجية لها تأثير كبير على كيان الدولة مثل التدخلات الخارجية وحماية السيادة الوطنية كذلك مواجهة المشاكل التي يعاني منها المجتمع بشكل يومي ومباشر مثل الأمن البيئي وذلك من خلال وضع قوانين صارمة لمواجهة التصحر و التغير المناخي والتلوث البيئي الذي يفتك بالمدن إضافة الى وضع خطط تشريعية لإنقاذ المؤسسة التعليمية من الإفراغ الممنهج علاوة على دوره كخط صد حقيقي في مكافحة الفساد حيث يكون النائب سيفاً مسلطاً على الفساد لا جزءاً منه أو غطاءً له.

المشرع الحقيقي يناقش هيكل الدولة واستقرارها ولا يتحول إلى محامٍ يدافع عن جماعات غير قانونية أو واجهة سياسية لها تحت قبة البرلمان.

إن من أخطر الظواهر التي أفرزتها هذه الدورة هي تحول النائب من مشرع و مراقب للأداء الحكومي إلى معقب معاملات يتجول في أروقة الوزارات لتمشية مصالح ضيقة أو تحوله إلى زائر دائم للمحاكم ليس لإحقاق الحق بل لإقامة دعاوى تكميم الأفواه وملاحقة أصحاب الرأي والناشطين.

تنويه: جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعبر عن راي كاتبها