الإصلاح شعارات رنّانة وأمنيات غائبة

7344 مشاهدة
11:37 - 2023-10-10
تقاریر و تحقیقات

الداعي نيوز / تقارير وتحقيقات
 
أحلام العراقيين تتهاوى يوما بعد يوم ،وامنيتاتهم باصلاح حقيقي لم يتحقق منها شيء سوى تراجع ملحوظ في كل مفصل من مفاصل حياتهم.. حكومات تعاقبت واحزاب تقليدية جاثمة على صدر العراقيين وشعارات ترفع ووعود كاذبة وواقع الحال "الى الوراء در" ..
هذا واقع حال العراق ، البلد الغني بكل شيء الفقير بكل شيء ، غابت عنه الضمائر واغتنى على حساب ثروات شعبه الفاسد واللص، من دون امل بتغيير حقيقي واصلاح لمنظومة الدولة التي مزقها الفساد بفكيه، وساد التشاؤم قلوب العراقيين ولم يعودوا يشعرون باي تفاؤل بتتغير اوضاع بلدهم الى ما يطمحون .  

 التغيير والإصلاح ومكافحة الفساد والحفاظ على ثروات البلد وغيرها ، شعارات سئمها العراقيون ولم تعد تشكل لهم أي مصداقية ،بعد ان لدغوا من الحكومات السابقة واللاحقة مرتين ، فيما بقيت الشعارات الطائفية والعرقية والقومية ذاتها ترفع ايام يحتدم التنافس الانتخابي لكسب مشاعر السذج

ايقن العراقيون وبعد اكثر من عشرين عاما على الاطاحة بالنظام الدكتاتوري بان السلطة الحاكمة في العراق غير قادرة على إحداث أي تغيير في سياساتها ، بل سيطرت احزاب السلطة وحولت البلد الى مقاطعات تخدم مصالحها الحزبية ،ووذهبت احلام المواطن البسيط ادراج الاهمال وبات مجرد رقم يحقق مكاسب الاحزاب الانتخابية .
  
شعارات مستهلكة ..
في عام 2003 ، وبعد الإطاحة بنظام البعث في العراق ، كان العراقيين يمنون انفسهم بإحداث تغيير جوهري وحقيقي في حياتهم بعد ثلاثة عقود ونصف من القمع، لكن لم يتحقق لهم ذلك وذابت تطلعاتهم في بلد كريم وعيش آمن وخابت توقعاتهم ، فلم يكن النظام السياسي الذي تلا عملية التغيير في العراق مستقرا وغلبت عليه التوترات العرقية والطائفية ، وتدخلات دول الجوار ، والتحديات الأمنية المستمرة ،وتحكمت بعض القوى السياسية بالمشهد السياسي في العراق منذ العام 2003 وحتى يومنا هذا  واحتكرته لصالح احزابها واهدافها، ما افقدها السيطرة على تنفيذ إصلاحات جوهرية تخدم الموطن وتنهض بالدولة.
 
التغيير والإصلاح ومكافحة الفساد والحفاظ على ثروات البلد وغيرها ، شعارات سئمها العراقيون ولم تعد تشكل لهم أي مصداقية ،بعد ان لدغوا من الحكومات السابقة واللاحقة مرتين ، فيما بقيت الشعارات الطائفية والعرقية والقومية ذاتها ترفع ايام يحتدم التنافس الانتخابي لكسب مشاعر السذج ، حيث عادت هذه الايام الأحزاب والكيانات السياسية الى رفع شعارات عن الإصلاح والتغيير ومكافحة الفساد، للترويج لبرامجها قبل المشاركة في انتخابات مجالس المحافظات المقررة في 18 كانون الأول 2023 القادم ، فيما واقعها يقول ،انها شعارات يعاد تدويرها كل موسم انتخابات، ولم تلامس الواقع.
 
لماذا تراجع العراق في كل شيء؟
المحلل السياسي أحمد الموسوي، يقول : "ان الشعب ساخط من الفشل السياسي الحاصل، وباتت شريحة كبيرة منه لا تؤمن بالانتخابات، فيما يشير النائب المستقل محمد عنوز، الى إن "الشعب لا يثق بحكوماته التي تقودها أحزاب أثبتت فشلها طيلة عقدين من الزمن، بالتالي فإن ما يصدر عن هذه الأحزاب من وعود ومطالب مستقبلية وشعارات، هو مبعث سخرية للعراقيين، فكيف يمكن أن ينجح الحزب الذي فشل في أكثر من مناسبة ويتمسك بنفس العقلية، في المستقبل؟ قطعاً لن يتمكن".

والسؤال هنا : هل ستفرز انتخابات مجالس المحافظات المزمعة طبقة سياسية جديدة تكون نواة لاصلاح حقيقي فيما بعد ،في ظل تهشم القيم المجتمعية والذي سيحول دون الاصلاح المنشود؟ وقد يكون هذا ممكنا  لكن لابد ان تسبقه ثورة مجتمعية جوهرية تهذب تلك القيم وتعطي الثقة للفرد العراقي بالاختيار الحقيقي وفق معطيات وافرازات المراحل السابقة

ويضيف عنوز، :أن "مستوى المشاركة في الانتخابات يتراجع شعبياً، وهذا مؤشر واضح على عدم القبول بالأحزاب الحالية، لكن للأسف هذا التوجه يرافقه يأس، وتشكيك بالأحزاب الجديدة، لا سيما المدنية، التي ترفع نفس شعارات الأحزاب التقليدية، لكن الفرق كبير في النيات، في حين أن الأخضر أكل اليابس، حتى بات العمل السياسي غير موثوق به مجتمعياً، وهذا كارثة خطيرة، لأنها تسهم في منع أي تقدم".
 
التشخيص يبدو سهلا وليس عصيا حتى على المواطن البسيط ، فكل عراقي يستطيع ان يشخص الخلل وهو واضح بالفعل من خلال تراكمات ومساوئ الحكومات المتعاقبة واصرار الاحزاب التقليدية على ذات العقلية المتحجرة والنفس الطائفي ،ماولـّد مجتمعا مفككا وواقعا خدميا يرثى له.
 
المحلل السياسي احمد الشريفي، اعتبر أن "الشعارات التي تطلقها الأحزاب التقليدية تستهدف العواطف الدينية والحاجات الإنسانية الحقيقية للشعب، لكن غالبيتها كاذب، والغريب أن هذه العدوى انتقلت للأحزاب المدنية الجديدة التي كان الشعب يظن أنها تحمل صفة الثورية، حين أكدت في الانتخابات السابقة (الانتخابات التشريعية التي أُجريت في تشرين 2021) على فتح ملفات معقدة وخطيرة مثل الكشف عن قتلة المتظاهرين، لكن في الحقيقة لم تتمكن هذه الأحزاب من ذلك، بل إن بعض أطراف وشخصيات هذه الأحزاب انسجمت مع الأحزاب التقليدية، ما تسبب بنكسة إضافية للعراقيين".
وعدّ الشريفي،  أن "تداعيات الفشل السياسي وطريقة الحكم في العراق بعد عام 2003 واضحة، وأبرز أشكاله هو التظاهرات الشعبية التي حصلت عام 2019، والتي قمعتها حكومة عادل عبد المهدي بالقوة.

تشير آخر احصائيات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق الى انها سجلت 281 حزباً وكياناً سياسيا باشر معظمها بالتنافس مبكراً، للسيطرة على مقاعد مجالس المحافظات، بينما تسعى القوى المدنية والليبرالية لأول مرة للدخول في هذه الانتخابات بشكل منفرد أو بقوائم انتخابية مشتركة، وستكون الانتخابات المحلية المقبلة، الأولى من نوعها منذ نيسان 2013، حيث تتولى مجالس المحافظات المنتخبة مهمة اختيار المحافظ ومسؤولي المحافظة التنفيذيين، ولهم صلاحيات الإقالة والتعيين وإقرار خطة المشاريع بحسب الموازنة المالية المخصصة للمحافظة من الحكومة المركزية في بغداد، وفقاً للدستور العراقي النافذ بالبلاد منذ عام 2005.

 لقد تجاوز الفساد في العراق كل المقاييس بعد ان اشتركت الدولة ومؤسساتها بسرقة اموال الدولة، وما فضيحة سرقة القرن الا واحدة من الدلالات المؤكدة على سلب الدولة ونهب ثرواتها ، بالمقابل فان المواطن لايبرأ ايضا من الدخول في هذه المنظومة الفاسدة حينما يتجاوز على املاك الدولة ويستغل اراضيها وبناياتها للسكن والاستثمار

والسؤال هنا : هل ستفرز انتخابات مجالس المحافظات المزمعة طبقة سياسية جديدة تكون نواة لاصلاح حقيقي فيما بعد ،في ظل تهشم القيم المجتمعية والذي سيحول دون الاصلاح المنشود؟ وقد يكون هذا ممكنا  لكن لابد ان تسبقه ثورة مجتمعية جوهرية تهذب تلك القيم وتعطي الثقة للفرد العراقي بالاختيار الحقيقي وفق معطيات وافرازات المراحل السابقة .
افتقدت الاحزاب التي حكمت ومازلت تحكم العراق الى رؤية واضحة في لادارة البلد ،واصبحت القوى المتنفذة تتحكّم بمفاصل الدولة ومستقبل البلد في ظل وجود سلاح منفلت وعنف لتصفية الخصوم وكسر الارادات، ولم يجن المواطن العراقي من شعارات الاحزاب المتكررة سوى الخراب والفوضى وتداعي اركان الدولة وقيام سلطة اللإدولة .
 
لقد تجاوز الفساد في العراق كل المقاييس بعد ان اشتركت الدولة ومؤسساتها بسرقة اموال الدولة، وما فضيحة سرقة القرن الا واحدة من الدلالات المؤكدة على سلب الدولة ونهب ثرواتها ، بالمقابل فان المواطن لايبرأ ايضا من الدخول في هذه المنظومة الفاسدة حينما يتجاوز على املاك الدولة ويستغل اراضيها وبناياتها للسكن والاستثمار ، ذاك انه ادرك بان السلطة الحاكمة اعطته المسوغ لهذا الفعل لانها تمارسه هي ايضا.
 
أسست الاحزاب التي حكمت العراق بعد العام 2003 ، لثقافة النهب والسلب والتجاوز على القانون ، لان هذا يبقيها على قيد السلطة ، فكلما كان المجتمع همجيا مفككا من الداخل كلما ازدادت فرص الانقضاض عليه ، وهذا ما حصل بالفعل ،ولا يخفى ان المجتمع لم يسع لاصلاح نفسه على اقل تقدير وباتت الهمجية القبلية هي من تتحكم بعقول الناس ، ورسخت فيهم روح الانتقام فيما بينهم بدل ان ترسخ روح الوحدة والتكاتف بوجه من اوصلهم الى هذا الحال،وهذا واقع ملموس ولايمكن ان نخدع انفسنا بخلاف ذلك.
 
منذ نيسان 2003،والفوضى في السياسة والاقتصاد والثقافة والتعليم ومجالات الحياة الاخرى هي السمة الغالبة في العراق، والتي أسهمت في تكريسها حكومات تعاقبت على السلطة ، ومازالت الشعارات البراقة هي سمة الطبقة السياسية واحزابها الحاكمة لم تتراجع عنها بل تصر على نهجها ولم تواكب متطلبات الشعب العراقي او بالاحرى لم تفهم حتى الان ان العراقيين ادركوا تماما كذب هذه الطبقة السياسية وزيف وعودها .
 
أين تكمن الحلول ؟
إن من أهم خطوات الاصلاح التي ينبغي أن تتخذها الطبقة السياسية هو الالتفات الى التركيز أداء الحكومة الفعلي واقامة مشاريع حقيقية على ارض الواقع تلبي تطلعات العراقيين وليست مجرد حبر على ورق او مجرد صخب ودعاية دون نتائج ، فالوعود الكاذبة تحرم الناس من حقهم ولاتلبي الا ما يصبو اليه السياسي او المسؤول، ولابد من مغادرة حالة الشعارات الفارغة الى التنفيذ واعادة دور المجتمع ممثلا بالمؤسسات الدينية والعشائر ومنظمات المجتمع المدني والفعاليات الاجتماعية الاخرى في عملية الاصلاح ، حيث ان كل هذه المؤسسات المجتمعية فقدت دورها في الاسهام بعملية اصلاح المجتمع والدولة لاسباب تتعلق باستحواذ اطراف معينة لاتريد للمجتمع ان يكون شريكا في عملية التقويم والاصلاح الجذري.

أسست الاحزاب التي حكمت العراق بعد العام 2003 ، لثقافة النهب والسلب والتجاوز على القانون ، لان هذا يبقيها على قيد السلطة ، فكلما كان المجتمع همجيا مفككا من الداخل كلما ازدادت فرص الانقضاض عليه ، وهذا ما حصل بالفعل ،ولا يخفى ان المجتمع لم يسع لاصلاح نفسه على اقل تقدير وباتت الهمجية القبلية هي من تتحكم بعقول الناس ، ورسخت فيهم روح الانتقام فيما بينهم بدل ان ترسخ روح الوحدة والتكاتف بوجه من اوصلهم الى هذا الحال

الفقر والبطالة، وتفشي ظاهرة المخدرات، وسوء الخدمات، والارتباك الامني وغيرها، كل هذا جلبته السلطات الفاسدة التي تعاقبت على الحكم في العراق ،وبالتالي هي من تتحمل مسؤولية تراجع المجتمع الذي كان في يوم ما مضربا للامثال في الثقافة والادب والعلم والنبل والاخلاق ، فمن واجب الدولة ان تراجع حساباتها وتقيم اداءها ليتوافق مع تطلعات شعبها، لا ان يتوافق مع تطلعاتها وغاياتها وان تسلب مقدرات الشعب لتتركه وسط واقع اشبه بالغابة ، فكل شيء في العراق اضحى بلا قيود ، بلا رقابة، بلا ضمير ، وسط تخبط حكومي وسياسة اعادت البلد الى ذيل القوائم في كل تقييم عالمي وعلى جميع المستويات.
 
 
الاصلاح السياسي .. نقطة الشروع نحو اصلاح حقيقي
 إن غياب النية الحقيقية لدى الاحزاب السياسية الحاكمة حول كيفية بناء دولة حقيقية تدل على انها جاءت من اجل مصالحها ومكاسبها الحزبية، وعليها ان تثبت لشعبها ولو لمرة واحدة انها على قدر المسؤولية بعد هذا الكم من التراجع والانهيار والفوضى ، وعليها ان تضع رؤية حقيقية تبعد شبح انهيار الدولة العراقية ، وبلورة إرادة جماعية بالإصلاح بدلا عن اطلاق شعارات لم تعد ذا قيمة لدى الناس، وبالتالي عليها اعادة تشخيص مواطن الخلل في التشريعات وإعداد خطط مناسبة للإصلاح الجذري وعلى جميع المستويات ، حينها يمكن ان نبدأ بالفعل باولى خطوات بناء دولة حقيقية.
 
 
 

اختيار المحررين