أجاثا كريستي بيت على ضفاف دجلة

07:31 - 2026-01-28
فراس الحمداني

الداعي نيوز / مقالات

 كان زوجها آثاريا معروفاً وكانت ترافقه في حله وترحاله ومن بين الدول التي بقيت فيها لفترة كان العراق حيث تنقلت بين مدنه القديمة وعاشت في بغداد لسنوات في بيت يطل على نهر دجلة الخالد في جانب الكرخ مجاوراً لمبنى نقابة الصحفيين العراقيين وفيه نسجت أروع رواياتها المعروفة ، وهنا أوجه ندءا إلى الحكومة العراقية للإهتمام بهذا المنزل وترميمه والإعلان عنه كتراث عالمي ليستقطب السواح الأجانب ومنهم البريطانيين فالمنزل ما يزال قائماً حتى اللحظة ًشاخصاً كما في الصورة المرفقة التي يظهر فيها الكاتب وهو يقف عند ذلك المنزل القديم .

لم تكن أجاثا كريستي اسمًا عابرًا في تاريخ الأدب بل كانت تجربة إنسانية وفكرية عميقة إستطاعت أن تحوّل الجريمة من فعلٍ مظلم إلى لغزٍ ذهني راقٍ  يختبر ذكاء القارئ قبل مشاعره حيث أعادت صياغة الرواية البوليسية وجعلت منها أدبًا قائمًا على التحليل والمنطق بعيدًا عن الإثارة الفجّة والعنف المباشر .

نشأت أجاثا كريستي في بيئة هادئة وكان خجلها الشديد دافعًا لإنطوائها على القراءة والخيال ، هذا الخجل لم يكن عائقًا بل تحوّل إلى أداة ملاحظة دقيقة مكّنتها من فهم السلوك البشري وإلتقاط التفاصيل الصغيرة التي لا يراها الآخرون ، ومن هنا جاءت شخصياتها نابضة بالحياة لا تُكشف حقيقتها إلا مع تقدّم الأحداث .

في عالم أجاثا كريستي لا تكون الجريمة هي المحور بل العقل الذي يحللها ، فشخصيات مثل هيركيول بوارو  والآنسة ماربل لا تعتمد على القوة بل على الفهم العميق للنفس البشرية وربط الوقائع وكشف التناقضات الخفية ، كانت العدالة في رواياتها عدالة فكرية تنتصر فيها الحقيقة بهدوء ودقة .

أسهمت تجربتها خلال الحرب العالمية الأولى ولا سيما عملها في صيدلية المستشفى في إضفاء مصداقية علمية على أعمالها خصوصًا في إستخدام السموم فجاءت جرائمها محسوبة ومدروسة ، كما أن رحلاتها وأسفارها خاصة إلى الشرق الأوسط أضافت لأعمالها بعدًا مكانيًا وثقافيًا واضحًا إنعكس في عدد من أشهر رواياتها .

ورغم ما مرّت به من أزمات بقى  قلم أجاثا كريستي حاضرًا يكتب بثبات وكأن الكتابة كانت وسيلتها لإعادة التوازن إلى عالم مضطرب ، لم تسعَ إلى إستدرار العاطفة بل إلى بناء حبكات متماسكة تنتهي دائمًا بإنتصار المنطق .

بعد عقود على رحيلها ما تزال أعمال أجاثا كريستي حيّة تُقرأ وتُعاد قراءتها وتتحوّل إلى أعمال مسرحية وسينمائية مؤكدة أن الأدب البوليسي ليس أدبًا عابرًا بل فنّ قادر على الخلود ، لقد بقي إسمها شاهدًا على أن الغموض حين يُكتب بذكاء يتحول إلى لغة عالمية لا تموت .

تنويه: جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعبر عن راي كاتبها

اختيار المحررين