تشرين .. زخم فتراجع .. وماذا بعد؟

17515 مشاهدة
07:34 - 2022-10-25
تقاریر و تحقیقات

الداعي نيوز / تحقيقات وتقارير

في تشرين الاول من عام 2019 ،خرج العراقيون بعفوية مطلقة  مطالبين بوطن حقيقي وعيش كريم، منددين بالفساد والطائفية وسوء ادارة الدولة وتغيير النظام السياسي الحاكم، خرجوا بكل فئاتهم دون تنسيق مسبق او قادة او تنسيقيات ، خرجت الامهات والشباب والنساء وكبار السن وحتى الاطفال ، ليطالبوا بحقوقهم التي غيبتها الحكومات المتعاقبة منذ العام 2003 ،وخرج الشباب إلى الشوارع في احتجاجات غير مسبوقة ضد السلطة، ناقمين على من اوصل العراق الى هو عليه اليوم ،ورغم عتمة السواد الذي خيّم على العراق منذ عام 2003 وحتى الآن، كانت ثورة شباب تشرين شعلة ضوء وامل، ليعود العراق إلى أهله الحقيقيين بعد ان استباحه عملاء يعملون لصالح دول على حساب وطنهم . 


صورة من الارشيف/ ساحة التحرير/ تظاهرات تشرين 2019
لم تكن احتجاجات تشرين السلمية العفوية تتعلق بإزاحة أكبر رأس في سلطة التنفيذ في البلاد بعد تحميله مسؤولية الفشل الذريع الذي ارتبط بعهده وأدى إلى صعود قوى اللادولة الممثلة بالفصائل والميلشيات ، إنما بقدرتها على صنع جيل جديد من الشباب الشجاع المؤمن بحقه في الحياة الكريمة وبرغبته في طي حقبة مظلمة ارتبطت بالمحاصصة الطائفية والسياسية والفساد وسوء الإدارة والاستهتار بالدولة لاكثر من 19 عاما. 

صورة عفوية لمتظاهرين في نفق التحرير

يوم العاشر من تشرين الاول 2022 ، وفي الذكرى الثالثة لانطلاق احتجاجات تشرين خرج محتجون، قدرت أعدادهم بالمئات هذه المرة إلى الشوارع في بغداد ومدن مختلفة في أنحاء العراق، لإحياء ذكرى الاحتجاجات الشعبية المناهضة للحكومة والمطالبة بوطن يليق بالعراقيين، لكنها لم تكن بذات الزخم الذي خرجت به في العام 2019 في جميع أنحاء البلاد، ولاسيما في الجنوب الذي عانت مناطقه من الفقر وسوء الخدمات، واستمرت عدة أشهر اعتصم خلالها مئات الآلاف من المتظاهرين في ساحة التحرير مستنكرين تفشي البطالة وانهيار البنى التحتية وانعدام الديمقراطية ومطالبين بحقوق الشعب. 

بعد مضي 3 سنوات على انطلاق احتجاجات تشرين ، يتساءل العراقيون  هل دخلت الاحتجاجات مرحلة "الغيبوبة" وماتت سريريا ؟ في ظل غياب شبه تام للبيانات الدورية التي كانت تصدر ردا على الأحداث والمواقف المختلفة من ساحة التحرير

بعد مضي 3 سنوات على انطلاق احتجاجات تشرين ، يتساءل العراقيون  هل دخلت الاحتجاجات مرحلة "الغيبوبة" وماتت سريريا ؟ في ظل غياب شبه تام للبيانات الدورية التي كانت تصدر ردا على الأحداث والمواقف المختلفة من ساحة التحرير في بغداد وغابت بيانات ادانة حكومة الكاظمي التي اعقبت سقوط حكومة عادل عبد المهدي والتي جاءت بشعار تلبية مطالب المتظاهرين ومحاكمة القتلة وهي لم تحرك ساكنا بشأن هذه الملفات، ما اشعر الكثير من المنتفضين بـالخذلان لكن مع ذلك ما زالت التظاهرات مستمرة ولأهداف مختلفة ، لكنها ليست بتلك القوة التي خرجت بها كماً وشعارات وتراجعت عن مطالب كبرى تهم مستقبل البلاد كتعديل الدستور، وإقالة الحكومات المحلية، ومحاكمة الفاسدين، وتوفير فرص العمل إلى مطالب فرعية جزئية، كإقالة مدير عام او تغيير مدير ناحية او مدير قسم او مدير مدرسة ،او المطالبة بقوائم تعيين معينة ، ما اصابها بشلل جزئي بمثابة قضاء تدريجي على التظاهرات وقطع للتواصل بين حلقاتها في المحافظات المختلفة التي كانت تتشابه في المطالب ، ودخلت احتجاجات تشرين بعد صرخة مدوية مرحلة الصمت وقد  تعود أقوى من السابق إذا ماعادت تشرين الحقيقية الى الواجهة وشعر الشعب ان حكومة المكلف محمد شياع السوداني والمنظومة السياسية الحالية خذلتهم للمرة الالف.  
  

بعض الشهداء البارزين في تظاهرات تشرين 2019

قد يكون زخم احتجاجات تشرين قد ضعف تحت وطأة القمع والتغييب والخطف والقتل ولم يتغير شيء على ارض الواقع ولم تحقق الثورة اهدافها او جزءا منها والزخم الجماهيري الذي شهدناه في 2019 " لم نشهده في 2022  وهذا مؤشر على ان تشرين تراجعت ولكن من تراجع ؟ الثورة ذاتها ام كمها ونوعها ، لكن من الواضح ان الثورة لم تتراجع قط فهي فكرة بقيت عالقة باذهان العراقيين تحفزهم على الاحتجاج بين الحين والاخر كلما تطلب الامر، وهي فرصة مستمرة غير منقطعة للمطالبة بحقوق الناس، لكن من تراجع هو زخمها والقها بسبب الانقسامات التي حدثت بين ناشطيها ،وكذلك غياب القيادة المركزية الموحدة لهذه الثورة والذي افقدها هيبتها وقوتها ومركزيتها ولم تحقق شيئا ملموسا سوى استبدال حكومة باخرى اشبه بالاولى ،وها هم اليوم يستبدلون حكومة الكاظمي بحكومة المكلف لرئاسة الوزراء محمد شياع السوداني التي جاءت من نفس حضن الاحزاب التي حكمت العراق منذ سقوط نظام الديكتاتور. 

شهداء الكلمة الحرة والقلم الشريف

ماالذي تحقق من تشرين وما لم يتحقق؟ 
يقول احد ناشطي تظاهرات تشرين :"إنه خلال السنوات الثلاث الماضية "عمل المحتجون على تطوير أنفسهم، وفهم الواقع السياسي المزري، وحاولوا خلق البديل السياسي الناجح، وتنظيم ورص الصفوف ، لكن هناك ثمة  "شوائب" من الممكن أن تحدث في "أي ثورة" ويشير الى أن "الثورة حققت أشياء مهمة"، أولها "إزاحة حكومة عادل عبد المهدي، التي كانت من بين الحكومات الأسوأ في تاريخ العراق" الذي استقال تحت ضغط الاحتجاجات" ، ونجحت ثورة تشرين أيضا في تعديل قانون الانتخابات، رغم أنه تم تفصيله بعد ذلك تفصيلا تاما لحساب الكتل الانتخابية المشاركة في الانتخابات.

 هل انطفأت جذوة تشرين؟ 
يمكن أن يتحول الحراك الشعبي التشريني، وقد يفقد أهدافه مؤقتا أو ويطالب بأهداف أخرى غير حقيقية، لكن النواة الصلبة للاحتجاج أو الانتفاضة الشعبية في العراق تبقى كما هي

خاصة لصالح المستفيدين من الكتل الثلاث الكبيرة ،لكن هذا لا يكفي فثمة تراجع حقيقي عن الاهداف الكبرى لتشرين ،واولها تغيير الدستور وانصاف الشعب وتحقيق المساواة ومحاسبة الفاسدين وقتلة المتظاهرين وكل هذا لم يحدث. 
يقول الكاتب ساطع راجي: أن "ما نسمعه هذه الأيام بأن الانتفاضة خفّ صوتها وقلّ زخمها وانكفأت إلى داخلها، أوأنها انتهت ولم يبق منها سوى أصوات متفرقة، أو أنها قبلت بتسليم زمام أمورها بيد الحكومة ، فهذا ضلال مبين، فالثورة ما زالت جذورها تمتد في معظم المدن العراقية  والأهم من ذلك كله أن الثورة مصرّة على تحقيق كامل أهدافها، وفي مقدمتها إسقاط العملية السياسية برمتها". 

نواب تشرين في البرلمان العراقي

هل انطفأت جذوة تشرين؟ 
يمكن أن يتحول الحراك الشعبي التشريني، وقد يفقد أهدافه مؤقتا أو ويطالب بأهداف أخرى غير حقيقية، لكن النواة الصلبة للاحتجاج أو الانتفاضة الشعبية في العراق تبقى كما هي،كونها  الشعور بانعدام العدالة الاجتماعية الناجمة عن سوء الإدارة والظلم إلى درجة تدفع المواطنين لعدم المبالاة بالحياة والموت أحيانا ،وهذا ما يحدث اليوم من تزايد حالات الانتحار بسبب الاوضاع المعيشية فضلا عن تنامي ظاهرة المخردات للهروب من الواقع الذي لم يعد له أي بصيص امل للتغيير. 

النائب السابق فائق الشيخ علي

تشرين حركة احتجاجية شبابية انصهرت فيها الطائفية وذابت المسميات فخرج الشيعي والسني والكردي والمسيحي وغيرهم من مكونات البلاد ولم ترفع أي شعار طائفي، بل على العكس تماماً كانت ثورة أو انتفاضة ضد النظام السياسي الحاكم ككل بممثليه من جميع المكونات ،لذا فأن نسبة التأييد لتشرين والتي بلغت أكثر من 60% حسب الاستطلاع الذي أجرته المجموعة المستقلة للأبحاث عام 2020 لم تختلف بين المناطق السنية والكردية مقارنة بالمناطق الشيعية،ومن يعتقد أن تشرين قد انتهت، او حتى توقفت، فهو مخطئ، لان ثورة تشرين حركة شعبية كبرى لا تقاس نتائجها بالتغييرات الآنية فحسب، إن روح تشرين ومبادئها والخشية منها قد تغلغلت عميقاً داخل العملية السياسية بعد أن باتت مثلاً حياً أمام العراقيين على قدرة الشعب على التغييروالخروج الى ساحات التظاهر متى ما اراد. 
  

المحللين السياسيين نجاح محمد علي و حيدر البرزنجي

ورغم تباين المواقف بشأن تراجع تشرين من عدمه ،فانه ما زال أمام تلك الحالة الاستثنائية الشعبية شوط كبير لتقطعه قد يطول لكنه ماضٍ وان احتمالات عودة الاحتجاجات اقوى من بدايتها تكاد تكون الاقرب الى الواقع هذه المرة، فلا بديل عن التغيير الحقيقي الا بالتمسك بهذه الجذوة التي قد تبرد احيانا لكنها ستبقى تشع املا للخلاص والظفر بالوطن ، حينها لن تسمح تشرين مجددا بتجاهل مطالب التغيير وشيطنة الاحتجاجات ، فهذا النظام السياسي القائم لا يمكن الخلاص منه الا بالعودة وبقوة الى روح تشرين وزخمها الحقيقي الاول.

 

اختيار المحررين