تشرين بين الإطار والتيار

15486 مشاهدة
06:45 - 2022-10-05
تقاریر و تحقیقات

الداعي نيوز / تحقيقات وتقارير 

اندلعت في 1 تشرين الأول 2019، في بغداد وبقية محافظات جنوب العراق احتجاجات واسعة على تردّي الأوضاع الاقتصادية للبلد، وانتشار الفساد المالي والإداري والبطالة، ووصلت مطالب المتظاهرين إلى إسقاط النظام الحاكم واستقالة حكومة رئيس الوزراء حينها ، عادل عبد المهدي، وتشكيل حكومة مؤقتة وإجراء انتخابات مبكرة، وندّد المتظاهرون بالتدخل الإيراني في العراق وتم حرق العلم الإيراني خلال التظاهرات، وواجهت القوات الأمنية هذه التظاهرات الشعبية العفوية بعنف شديد  واستُهِدفت المتظاهرين بالرصاص الحي، حيث بلغ عدد القتلى من المتظاهرين حوالي 740 شخصاً منذ بدء التظاهرات، وأُصيب أكثر من 17 ألف بجروح من بينهم 3 آلاف إعاقة جسدية، وتم اعتقال العديد من المحتجين ، وصنفت هذه الاضطرابات بالأكثر فتكاً في العراق منذ انتهاء احداث الطائفية والقضاء على تنظيم داعش في كانون الأول 2017. وتجددت التظاهرات في يوم الجمعة 25 تشرين الأول من العام نفسه ، حيث  حرق المتظاهرون القنصلية الإيرانية بالنجف في 27 تشرين الثاني 2019  وسقط على اثرها عشرات القتلى والجرحى وكانت أكثر أيام الاحتجاجات دموية، خاصة في محافظة ذي قار التي جرت فيها مجزرة الناصرية، والتي أدّت إلى إعلان رئيس الوزراء العراقي نيته تقديم استقالته، وفي 30 تشرين الثاني قدّم عادل عبد المهدي استقالته من رئاسة مجلس الوزراء، استجابة لطلب المرجعية ،وتمهيدا لإجراء انتخابات جديدة تعمل على تهدئة الأوضاع في البلاد.  


تظاهرات تشرين 2019 للمطالبة بتغيير النظام السياسي

واعلنت مفوضية حقوق الإنسان في العراق عن ارتفاع حصيلة ضحايا احتجاجات تشرين  إلى 495 قتيلاً وأكثر من 21 ألف جريح واختطاف 170 شخصاً من المتظاهرين من ساحات الاحتجاج، من دون أن يعرف مصيرهم . 

صورة للقوات الامنية وهي تقمع المتظاهرين بالرصاص الحي

ومنح البرلمان العراقي الثقة لرئيس الحكومة الجديد، مصطفى الكاظمي وتشكيلته الوزارية في 7 ايار  2020 لتخلف حكومة عادل عبد المهدي المستقيلة ،وصوت أعضاء البرلمان بأغلبية عدد الأعضاء الحاضرين (255 نائباً من أصل 329) على منح الثقة للكاظمي ،بعد فشل سلفيه محمد توفيق علاوي، وعدنان الزرفي في حشد التأييد لهما ومصطفى الكاظمي، مستقل لا ينتمي إلى أي حزب سياسي، تسلم منصب رئيس جهاز المخابرات في حزيران 2016، خلال تولي حيدر العبادي رئاسة الحكومة 2014 ـ 2018 ،وتعهد الكاظمي، خلال جلسة البرلمان، بأن تكون حكومته "حكومة حلول لا حكومة أزمات" وأن تعمل على تحسين الخدمات للسكان وحفظ سيادة البلد ،فضلاً عن إجراء انتخابات نزيهة وحصر السلاح بيد الأجهزة الرسمية. 

في خضم كل هذه الاحداث كانت ثورة تشرين على احر من الجمر تترقب الفرصة لتدلو بدلوها بعد ان خذلها من صعد باسمها وفاز في انتخابات تشرين 2021 

وفي أول تعليق عقب منحه الثقة في البرلمان، قال الكاظمي في تغريدة، "اليوم، منحَ مجلس النواب الموقّر ثقته لحكومتي، وسأعمل بمعيّة الفريق الوزاري الكريم بشكلٍ حثيث على كسب ثقة ودعم شعبنا، امتناني لكل من دعمنا، وأملي ان تتكاتف القوى السياسية جميعاً لمواجهة التحديات الصعبة، سيادة العراق وامنه واستقراره وازدهاره مسارنا". 
 

لحضة اعلان عادل عبد المهدي التنحي من رئاسة الوزراء عقب الاحتجاجات الشعبية

لكن الازمات توالت ايضا بعد استقالة حكومة عبد المهدي ،وبدأت القوى السياسية تختلف على بعضها ، بعد ماافرزته نتائج انتخابات تشرين 2021 ، وحصول التيار الصدري على اعلى نسبة مقاعد في البرلمان ، حيث تصاعدت حدة الصراع على السلطة بين المكونات الشيعية في العراق، نتيجة الخلاف على من سيشكل الحكومة المقبلة، ما أدى إلى تفاقم الشقاق بينها ،لا سيما بين تيار مقتدى الصدر من جهة والإطار التنسيقي من جهة أخرى ،وارتفعت حدة الصراع بين مقتدى الصدر وخصومه المدعومين من إيران مع اقتحام أنصاره البرلمان، وبدء اعتصام مفتوح وانتهائه بضحايا على اثر اشتباك سرايا السلام الجناح المسلح للصدر والقوات المكلفة بحماية المنطقة الخضراء ، لينهي بعدها الصدر الاحتجاجات بخطاب مقتضب دعا فيه انصاره الى الانسحاب من المنطقة الخضراء . 

اصحاب القبعات الزرق

ويتركز الخلاف بين الصدر والإطار التنسيقي على تسمية "محمد شياع السوداني" المقرب من نوري المالكي رئيسا للوزراء، الأمر الذي يرفضه التيار الصدري. 

محمد توفيق علاوي وعدنان الزرفي 

في خضم كل هذه الاحداث كانت ثورة تشرين على احر من الجمر تترقب الفرصة لتدلو بدلوها بعد ان خذلها من صعد باسمها وفاز في انتخابات تشرين 2021 ،وكذلك خذلان القوى السياسية لتطلعات هذه الثورة التي اثمرت وحدها عن انتخابات مبكرة وسقوط حكومة عادل عبد المهدي، وهما انجازان لايستهان بهما بالنسبة لثورة عفوية ناشئة قادها شباب كانت جل مطالبهم : "نريد وطن".  

القوى السياسية تختار مصطفى الكاظمي رئيسا للوزراء خلفا لعادل عبد المهدي

في الذكرى الثالثة لانطلاق تظاهرات تشرين وفي خضم التصعيد المتبادل بين طرفي الأزمة السياسية الحالية الإطار التنسيقي والتيار الصدري،وانسداد ابواب الحل السياسي وتاخر تشكيل الحكومة الجديدة ، عادت ملامح الحياة إلى الحراك الاحتجاجي في ساحات بغداد والمحافظات مع تفاقم الانسداد السياسي المستمر منذ انتخابات تشرين الأول 2021 ، وحشد التشرينيون تظاهراتهم في ساحتي التحرير والنسور ببغداد ومحافظات البصرة وذي قار ومدن اخرى ، وطالبوا خلالها بتغيير شكل النظام السياسي وإعادة كتابة الدستور والقضاء على البطالة ومطالب شعبية حقة لم تنفذ السلطة الحاكمة منها اي مطلب بل ركنت تلك المطالب الى جانب الكثير من امال وتطلعات العراقيين . 

المواجهة الحالية بين التيار الصدري والإطار هي  صراع فريقين سياسيين على النفوذ للهيمنة على الدولة ومقدراتها وستبقى ثورة تشرين الحقيقية  متفرجةً على هذا الصراع بعد شعورها بالضعف امام هذه القوى التي تصفي خصومها بالقتل والخطف والتغييب

وفي ظل أزمة سياسية وصلت ذروتها بين قوتين تهيمنان على الساحة السياسية، وصراعهما حول ملامح تشكيل المرحلة المقبلة، يتساءل مراقبون حول مدى قدرة قوى الحركة الاحتجاجية والكيانات السياسية المنبثقة من رحم احتجاجات تشرين على إثبات وجودها كلاعب أساسي، يطرح رؤيته المستقلة عن طرفي الأزمة لناحية شكل وطبيعة المرحلة المقبلة وسط حالة استقطاب شديد، تبدو القوى المتصارعة أحوج ما تكون إلى الشارع الاحتجاجي والقوى المدنيّة والنواب المستقلين، لتركب موجة الاحتجاجات من جديد مستغلة الحراك الشعبي، ولكن هذه القوى ستبتلع حتما هؤلاء الشباب المحتجين وتدخل على خط تصفيتهم مثلما فعلت في 2019 ، فهذه القوى التقليدية المهيمنة لا تصغي للصوت الآخر، كما أنّها لا تمتلك أفقًا لتتحاور، بل تتهم وتُهدد من يختلف عنها، لإسكاته بالقوة.  

صورة لمصطفى الكاظمي وهو يقدم كابينته الوزارية

التيار الصدري بدأ بمحاولات استمالة بعض القوى الاحتجاجية المحسوبة على تشرين ، للمشاركة في الاحتجاج الصدري والذي تكلل بعدة دعوات أطلقها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر عبر بيانات وتغريدات، الأمر الذي جوبه من قبل الأوساط الاحتجاجية بتخوف من تكرار سيناريو "انقلاب" على الحركة الاحتجاجية كما حدث في الاحتجاجات الماضية ومع احتدام الصراع بين القوتين الشيعيتين، وطرحهما لمطالب شبيهة بتلك التي يتبناها الحراك الاحتجاجي منذ سنوات، كإجراء تعديلات دستورية وحصر السلاح بيد الدولة والحفاظ على مؤسساتها بعيدا عن الصراع السياسي، يبرز التحدي أمام قوى الاحتجاج والكيانات الناشئة في خلق خطاب متمايز عن الخطاب الذي تنطلق منه القوى السياسية المهيمنة ، ومن المهم  أن يؤسس لهذا الخطاب كيان وهوية وطنية واضحة بمعزل عن أطراف الصراع القائم وأهدافه ، ليكون منطلقا لهوية وطنية تؤسس لمرحلة جديدة خالية من تلك القوى المخضرمة . 
  

لقاء تشاوري بين مقتدى الصدر وقادة الاطار في منزل العامري حول الملف الحكومي

وتبدو مطالب الجميع متشابهة، فالجميع ينادي بالسيادة وإنقاذ الوطن ودولة القانون والقضاء على الفساد وحصر السلاح وغيرها من مطالب شعبية قبل ان تكون حزبية ، ولكن السؤال كيف تبرز مطالب الشعب الحقة وتخرج من رحم المُطالب بها والقوى السياسية الاخرى الكبيرة تمسك بعصا لجمها وتريد الانفراد بها كدعاية لاتباعها بحجج الاصلاح والوطنية ، فمطالب الحراك الاحتجاجي الشعبي  نابعة من روح معاناة الشعب وهي مطالب واضحة ملتزمة غير منفعلة، وخطابها نابع من قوة المنطق بخلاف خطاب منطق القوة الذي تجاوز على الدستور. 

صورة لنواب التيار الصدري وهم يدخلون مبنى البرلمان بالاكفان

بات كل احتجاج وتظاهر مطلبي شعبي  فاقدا لأي وزن في الساحة السياسية وأصبحت هذه القوى عبارة عن اصوات تتعالى فقط  ،فاقدة لأي فعل سياسي أو أي تأثير في الصراع السياسي الحالي ، والسبب في ذلك هو هيمنة القوى الكبيرة وصراع قطبي النزاع الاطار التنسيقي والتيار الصدري الذي طغى على الساحة وهمش بالقوة والتهديد الاصوات الشعبية الحقة التي لاتنادي الا بوطن ،وما يعزز هذه القوة ان قوى الاحتجاجات التشرينية متفرقة وغير قادرة على تحقيق شيء، وهناك بعض القوى الاحتجاجية انفصلت عن الواقع ولاتعرف ماذا تريد ، واخرون لاحول ولاقوة لكنهم عازمون ولن يتراجعوا عن مطالبهم التي ضاعت في طريق التيار الصدري والاطار التنسيقي وتاهت في مغارة القوى الكبرى.  

تغريدة لمقتدى الصدر بعد اجتماعه مع الاطار التنسيقي في منزل العامري

تفاقم الأزمة السياسية الحالية في العراق أفرز تضاربا في الرؤى والخيارات المتاحة لقوى الاحتجاج الشعبي وبالتالي انقسم المشهد الاحتجاجي  ولم تعد تلك القوى قادرة على التأثير في الصراع السياسي القائم ، فكلا القوتين الشيعيتين المتصارعتين تمتلكان الجمهور والمال والسلاح والأذرع السياسية والسلطة ايضا، وعليه ذاب وجود قوى احتجاجات تشرين بين هذه التحديات بل وضعف ايضا. 

صورة لنواب الاطار التنسيقي وهو يقاطعون الجلسة الاولى لمجلس النواب 2022

المواجهة الحالية بين التيار الصدري والإطار التنسيقي هي  صراع فريقين سياسيين على النفوذ للهيمنة على الدولة عبر السيطرة على الحكومة المقبلة ، وستبقى ثورة تشرين الحقيقية  متفرجةً على هذا الصراع بعد شعورها بالضعف امام هذه القوى التي تصفي خصومها بالقتل والخطف والتغييب وتكمم بالقوة والصبات الكونكريتية والحواجز الحديدية اصوات واجساد الشباب التشريني المطالب بابسط حقوقه في العيش وليس المطالب برئاسة الحكومة او وزارات او مناصب .

انصار التيار الصدري داخل الخضراء بعد انسحاب الصدر من العملية السياسية

ثورة تشرين قد  تضعف لكنها لاتموت، لانها فكرة في رؤوس العراقيين من الاغلبية الواقفة على الجانب الاخر ،وكانت وستبقى درساً مهماً بأن بالإمكان إزالة الأحزاب الفاسدة وتحقيق مطالب الشعب بالعيش الكريم من دون خوف او سلاح منفلت يتعقب من يطالب بوطن . 

ثوار تشرين وهم يستذكرون ذكرى ثورة تشرين 2019

مابين الاطار والتيار غُيبت ثورة تشرين ميدانيا ، لكنها بقيت في عقول العراقيين تحفز وتشحذ الهمم كلما ارادت ذلك واحست ان الوطن آيل للضياع مرة اخرى ، وقد ياتي عليها يوم تقف فيه على انقاض الاحزاب والقوى السياسية الفاسدة المتجذرة، لتبني مع الشعب كله وطنا تستعيد به حق العراقيين المسلوب .

 

اختيار المحررين