صيف ساخن بلا كهرباء .. العراق يتضوّر "حرّا "

1617 مشاهدة
08:55 - 2021-07-05
تقاریر و تحقیقات

الداعي نيوز / تقارير

الكهرباء والصيف ، متلازمة ترافق العراقيين ولم تنفك تؤرق حياتهم في أشهر ساخنة يذوب فيها الناس حرا ، مسألة الكهرباء باتت معضلة استعصت على جميع  الحكومات العراقية منذ عام 2003 وحتى يومنا ، وحاولت الحكومات العراقية المتعاقبة منذ سقوط النظام الدكتاتوري إيجاد حلول لهذه المعضلة من خلال مجموعة من المشاريع لتشييد محطات إنتاج جديدة في مناطق مختلفة من البلاد لتصل بالإنتاج الى نحو 17 ألف ميغاواط، إلا أنها لم تعد كافية لتجهيز المواطنين بالطاقة طوال اليوم بسبب الفساد المستشري في وزارة الكهرباء وتدخل السياسيين في هذا الملف، اضف الى ذلك  التجاوزات الكبيرة على الشبكة وتأخر صيانة المحطات ونقص الوقود، وزيادة الاستهلاك بسبب زيادة عدد السكان الذي وصل إلى نحو 40 مليوناً، ما جعل الاعتماد على أصحاب محطات إنتاج الكهرباء الأهلية ضرورة ملحة لحياة الناس .

 

من ارشيف تظاهرات العراق للمطالبة بتحسين الكهرباء

80 مليار دولار صرفت على قطاع الكهرباء حتى عام 2021 ، والوضع نحو الاسوأ ، فلا يمر صيف على العراقيين الا وعانوا من انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة واخرها ما حدث  منذ بداية صيف هذا العام من انقطاعات تامة خرج على اثرها المواطنون في مختلف المحافظات ،خصوصا الجنوبية ،احتجاجا على تفاقم هذه الازمة وسط عجز حكومي واضح في ظل تخصيصات مالية بمليارات الدولارات ، واستقال على خلفيتها وزير الكهرباء ماجد مهدي حنتوش، والذي  كشف عن صرف نحو 80 مليار دولار على قطاع الكهرباء منذ عام 2003 وحتى الآن كموازنة تشغيلية واستثمارية في كل مفاصل المنظومة الكهربائية ،من بناء وتشغيل للمحطات ، مبيناً أن كُلف إنتاج الكهرباء عالية ومن ضمنها شراء الوقود، وقال حنتوش "أن الإنتاج الحالي للكهرباء يبلغ 16 ألف ميغاواط ، وأُكملت 90 في المائة من أعمال الصيانة للمحطات الكهربائية ليرتفع الإنتاج بمقدار 4 آلاف ميغاواط عن العام السابق، وهذا يعتمد على تجهيز المحطات الكهربائية بكامل حاجتها من الوقود"، مشيرا إلى أن العام السابق بلغ ذروة الإنتاج بـ 17 ألف ميغاواط.

وتبلغ ذروة فصل الصيف في العراق في أشهر (حزيران - تموز  - آب)، حين تزيد درجة الحرارة في بعض الأحيان على 50 درجة مئوية.

 واستدرك حنتوش أن "هناك صرفاً غير منتظم للطاقة الكهربائية إضافة إلى وجود متجاوزين على الطاقة الكهربائية متمثلين بـ 300 ألف منطقة عشوائية مثلاً في بغداد ، يتزامن هذا مع ما شهدته ابراج نقل الطاقة الكهربائية من اعمال تخريبية على ايدي ارهابيين مستغلين ضيفا ساخنا ليزيد ذلك من معاناة العراقيين .

80 مليار دولار صرفت على قطاع الكهرباء حتى عام 2021 والوضع نحو الاسوأ 

الصيف الحالي وضع الحكومة العراقية في ظل هذه الأجواء، على المحك ،خصوصاً أنها تستعد لافتتاح محطات جديدة تعتمد على وقود متنوع ستمكّنها من إنتاج نحو 21 ألف ميغاواط، ستسمح لها بعبور سخونة ذلك الفصل، من دون تظاهرات ضخمة كما يحدث في كل عام باستثناء العام الماضي، بسبب انتشار فيروس كورونا، لكن من دون تحديد سقف زمني لحل مشكلة الكهرباء في العراق .

نواب في البرلمان العراقي قالوا  إن "ما تم تخصيصه لوزارة الكهرباء ضمن موازنة هذا العام بلغ 8 تريليونات دينار أي نحو 5.5 مليار دولار، كموازنة تشغيلية و2 مليار دولار كموازنة استثمارية في وقت طلبت الوزارة 14 تريليون دينار أي بحدود 9.6 مليار دولار، لموازنتها التشغيلية و2.8 مليار دولار لموازنتها الاستثمارية"، وهذا هو الحال في كل عام ، موازنة وصراعات سياسية وسرقات وفساد وضعف حكومي والكهرباء تتراجع والمواطن نفد صبره ، ولا حلول حقيقية تلوح في الافق وكل يرمي على الاخر حجر التقصير ، لكن الكل مقصرون والمواطن يرفع اكفه الى السماء في دعاء يستسقي الهواء البارد في صيف لاهب .

لقد تفاقمت أزمة الكهرباء في العراق مع اشتداد حرارة الصيف وبلوغها أرقاما قياسية،  تجاوزت الخمسين مئوية ، فالفساد، والسياسات الخاطئة، والتدخلات الخارجية، والاستهداف المتكرر لأبراج الطاقة، وسوء التخطيط والادارة  كلها تقف عائقا أمام حل المشكلة المتفاقمة منذ عقود يدفع ثمنها العراقي الذي يعاني ويلات ارتفاع درجات الحرارة ثمن كل ذلك .

محافظات عراقية شهدت، مؤخراً، موجة "غير مسبوقة" من عمليات استهداف أبراج نقل الكهرباء، خاصة تلك الواقعة في مناطق بعيدة وغير مأهولة بالسكان، وهو ما دعا القوات الأمنية إلى التحرك سريعاً لمواجهة هذا التحدي ، في ظل النقص الحاصل بتجهيزات المراقبة

وشهدت محافظات صلاح الدين، وكركوك، و ديالى، النسبة الأكبر من الاستهدافات، التي تتم غالباً بالعبوات الناسفة، والاحزمة الناسفة  وتفجيرها عن بعد، من قبل عناصر داعش الارهابي الذين ينشطون حاليا في تلك المناطق ،وهذا ما اكدته خلية الإعلام الأمني  التي اصدرت عدة بيانات اوضحت فيها ان الجماعات الارهابية تحاول الإضرار بأبراج الطاقة الكهربائية، إلا أن يقظة القوات الأمنية والجهود الميدانية والعمل الاستخباري مكنت الأجهزة الأمنية من إحباط عدد من المحاولات لاستهداف أبراج الطاقة الكهربائية.

من الأرشيف إزالة التجاوزات على الشبكة الوطنية للكهرباء

وقالت الخلية ان القوات الأمنية قتلت إرهابيا بعد نصب كمين محكم له أثناء محاولته زرع عبوات ناسفة لتفجير برجين للطاقة الكهربائية في منطقة الكفاح شمالي قضاء المقدادية في محافظة ديالى ،وقبلها، أحبطت القوات الأمنية أيضا، محاولة لاستهداف أبراج نقل الطاقة الكهربائية في منطقة حلوان وسيد جابر التابعة لناحية جلولاء في قضاء خانقين.

ويؤكد النائب في البرلمان العراقي، عن محافظة صلاح الدين جاسم الجبارة، إن "جهات مستفيدة تقف وراء عمليات الاستهداف المتكرر لأبراج نقل الطاقة"، ويؤكد أن "هناك شخصيات تتاجر في الوقود، المجهَز للمولدات الأهلية، وفي حال استمرت الطاقة الكهربائية، فإنه سيتعرض إلى خسائر.

ان فشل العراق في تلبية احتياجاته من الكهرباء يعود "بحسب بعض نواب في البرلمان" الى أيادي خفية تعبث بمقدراته ، كما ان الإرادات الخارجية والداخلية لعبت دورا كبيرا في تعطيل استثمار الغاز المحروق المرافق لاستخراج النفط.

 وزارة النفط ومنذ 2008 وعدت بتوفير الغاز في عام 2013 لكل المحطات، وعلى هذا الأساس تعاقدت وزارة الكهرباء للحصول على محطات، وبعد وصول الأخيرة وجدت وزارة الكهرباء أن الغاز غير متوفر لتلك المحطات، ما اضطرها للتعاقد مع إيران لتوريد الغاز.

حنتوش وزير الكهرباء : أن هناك صرفاً غير منتظم للطاقة الكهربائية إضافة إلى وجود متجاوزين على الطاقة الكهربائية متمثلين بـ 300 ألف منطقة عشوائية مثلاً في بغداد

وحاولت وزارة النفط  استثمار الغاز في حقل "نهران عمر"، لكنه واجه صعوبات كبيرة وتحديات تتمثل بمصالح بعض الأحزاب السياسية والتأثير الخارجي على هذا الملف، علما أن "هذا الحقل كان بإمكانه توفير 75% من كمية الغاز القادم من إيران وبتكلفة زهيدة.

ويعتمد العراق على استيراد الغاز من بعض الدول المجاورة والإقليمية، وتحتل إيران المورد الأكبر، لتشغيل محطاته الكهربائية وهو ما يكلف سنويا نحو ملياري دولار تقريبا.

الخبير الاقتصادي، فرات الموسوي، يقول : إن "السياسات الخاطئة للحكومات المتعاقبة على حكم العراق ما بعد 2003، تسببت بتفاقم أزمة الطاقة الكهربائية واستهلاك مليارات الدولارات دون فائدة تذكر، وأن العراق وضع مصدر طاقته بمأزق خطير من خلال الاعتماد على الغاز المستورد لسد العجز الحاصل في مصافي النفط، على الرغم من أنه قادر على تجاوز تلك العقبة إذا توافر القرار الوطني لوضع أجندات فنية لتطوير مرافق الطاقة.

وبالعودة الى ما شهدته محافظات العراق من انقطاع تام للكهرباء هذه الايام،  دون ايضاح حكومي رسمي لحقيقة ما يجري، وسط سخط شعبي كبير،  فان مصدرا في وزارة الكهرباء اكد ان سبب الإنقطاع التام للطاقة الكهربائية في محافظات العراق كافة باستثناء إقليم كوردستان ، يعود إلى التفجيرات التي طالت مؤخرا أبراج الطاقة، الأمر الذي أدى إلى تفعيل نظام الحماية الذاتي لمنظومة الشبكة الوطنية ، ويؤكد المصدر إن تفجير عدد من أبراج نقل الطاقة الكهربائية في محافظة نينوى وصلاح الدين تسبب بانخفاض معدل التجهيز إلى أكثر من ألف ميغاواط مما تسبب ذلك في تغيير ترددات نقل الطاقة وارجاع الحمل إلى محطات الإنتاج والتوليد ، كما اوضح أن محطات الإنتاج تحتوي على نظام الحماية الذاتي وقامت بحماية نفسها من خلال اطفاء التوربين ( رأس التوليد) مما أدى إلى إطفاء عام للكهرباء، وعلى اثره انفصلت شبكة الكهرباء الوطنية عن الخدمة في أغلب مناطق ومدن العراق من بينها العاصمة بغداد.

ووجه رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في شهر حزيران الماضي، "قيادات العمليات والاجهزة الاستخبارية بـ"معالجة استهدافات أبراج الطاقة وحمايتها، وملاحقة الجماعات الإجرامية ،كما أعلنت قيادة العمليات المشتركة في العراق عن تخصيص مكافأة مالية "مجزية" لمن يدلي بأي معلومات عمن يستهدف خطوط أبراج الطاقة الكهربائية في البلاد.

استهداف أبراج الكهرباء بشكل متعمد من قبل الجماعات المسلحة

العراقيون ليسوا معنيين بتفاصيل لا طائل منها ، العراقيون كشعب يريدون استحقاقهم بالعيش الكريم من خلال توفير الخدمات الاساسية وابرزها الكهرباء، خصوصا في فصل الصيف فليس من المعقول ان تمر عقود على دولة تمتلك من الثروات النفطية ما يؤهلها لانشاء محطات طاقة كهربائية عملاقة توفر من خلالها للشعب ساعات تجهيز على مدار اليوم كجزء من التزام الحكومة امام شعبها وهي ابسط مستحقاته الانسانية، ولكن يبدو ان ملف الطاقة في العراق سياسي، إذ يستخدم الملف لتأجيج الاحتجاجات الشعبية كل صيف لينتفع منها طرف ويتضرر منها اخر ساسي ايضا ،لكن يبقى المتضرر الاكبر هو المواطن الذي يحلم بنسمة هواء باردة في صيف ساخن لايرحم.

لابد من وقفة حكومية جادة تظهر للناس حقيقة ازمة الكهرباء في العراق وتعالجها كيفما شاءت لكن فقط نريد علاجا حتى وان كان اخر العلاج "الكي" فلا فرق بين حرارة الصيف و"كي "العلاج فكلاهما ساخن .. الشعب يريد خدمات تليق به كشعب عانى الكثير وآن له ان يستريح وتوفر له الدولة سبل العيش الكريم حاله حال دول الجوار، فهو ليس اقل منها، الفساد في بعض النفوس هو من اوصل البلد الى ما هو عليه من تردٍ وتراجع ،ولابد من حرب شعواء على الفساد حرب حقيقية تعيد للبلد ثرواته المنهوبة وللعراقيين حقهم المسلوب حتى لانمر بصيف ساخن قادم قد لا ينجو منه احد .





اختيار المحررين