نتائج المجالس .. خارطة جديدة أم تدوير لسابقاتها؟

4850 مشاهدة
12:14 - 2023-12-18
تقاریر و تحقیقات

الداعي نيوز / تقارير وتحقيقات 

يترقب العراقيون وفي هواجسهم ان لاخير يرتجى من عملية سياسية مبعثرة وانتخابات اول خيوطها توحي باستلاب ارادة ناخبيها حيث نقرأ مانشرته المفوضية حول تعطل عدد من اجهزة التصويت وتوجهها للفرز والعد اليدوي مايؤشر خرق الية التصويت الالكتروني التي تاسست من اجل معالجة عمليات التزوير التي شابت التجارب الانتخابية قبل اعتمادها، ملامح المشهد السياسي القادم تبدو ضبابية حتى اللحظة وقد تنجلي بعد ماستفرزه نتائج انتخابات مجالس المحافظات، فما من سبيل الا المضي بالعملية الديمقراطية ،ولكن الطريق قد تكون مختلفة هذه المرة وقد تحدد وجهة المرحلة القادمة من تحالفات سياسية ينجبها مخاض الايام الماضية بل السنين على وقع تحديات يريد العراقيون كشعب مغادرتها ، ولابد للسياسيين ان يدركوا ان الكسل والتنافر السياسي هو من ولـَّدَ الازمات تلو الاخرى ، ويتحمل الضمير السياسي الوطني هذه المسؤولية  ، لكن هل يفلح ؟ هذا ما لم يلح في الافق بعد.
هل ستؤسس نتائج انتخابات مجالس المحافظات لمشهد سياسي جديد مختلف تماما عن سابقاته؟ والعراقيين ينتظرون واقعا سياسيا ثابتا وليس هشا كمن يسير فوق رمال متحركة ؟

الانقسام السياسي بين الكتلة والمكون الواحد ابرز السمات في العملية السياسية الحالية، وهو يتخطى القواعد الجماهيرية واختياراتها وارادتها وهذا ما نلاحظه من خلال التجاذبات السياسية والصراعات التي رافقت العملية الانتخابية والديمقراطية منذ نشوئها 

 على مدى اكثر من عقدين لم يجازف السياسيون بتغيير سياسي جوهري، فالواقع الذي اوجدوه هم انفسهم ضد هذا التغيير والبلد غير قادر على  تحمل المزيد من الهزات السياسية وارتداداتها على الشارع والسياسيون يعرفون ذلك ويستثمرونه لصالحهم ، ولاسبيل  لتحسين او على الاقل ترميم البيت السياسي الا ببروز متصدين جدد بجوهر وطني وليس غلافا من شعارات سئمها العراقيون في كل موسم انتخابي، سواء على صعيد الانتخابات النيابية او مجالس المحافظات .

لا احد من القوى السياسية يمتلك الرغبة المشتركة لتعديل المسار نحو ترسيخ عمل سياسي مهني وفق ضوابط اخلاقية سياسية لايحيدون عنها ، فمازالت حتى اليوم شعارات الطائفية والمحاصصة  والتوافقية واللعب على وتر العشيرة والاقرباء هي السمة الغالبة لدى القوى السياسية مع غياب واضح للبرامج الحقيقية التي تحاكي معاناة الشارع العراقي ، الا ما ندر من قوى حزبية وطنية لاتمتلك مقومات التصدي مثل القوى الكبرى التي تمتلك المال السياسي والسلطة ، في غياب واضح عن مفهوم المعارضة الحقيقية الذي يخلق التوازن في القرارات حيث وصل الحال الى حد التصفية الجسدية للمنافسين الشرفاء في تطور خطير لم تشهده الساحة السياسية من قبل.
على مدى اكثر من عقدين لم يجازف السياسيون بتغيير سياسي جوهري، فالواقع الذي اوجدوه هم انفسهم ضد هذا التغيير والبلد غير قادر على  تحمل المزيد من الهزات السياسية وارتداداتها على الشارع والسياسيون يعرفون ذلك ويستثمرونه لصالحهم ، ولاسبيل  لتحسين او على الاقل ترميم البيت السياسي الا ببروز متصدين جدد بجوهر وطني وليس غلافا من شعارات سئمها العراقيون في كل موسم انتخابي، سواء على صعيد الانتخابات النيابية او مجالس المحافظات
ان  استمرار الوضع السياسي الحالي في العراق بما هو عليه وهو اصلا غير واضح المعالم ، سيؤدى في نهاية المطاف إلى زعزعة ثقة العراقيين بالعملية السياسية برمتها في ظل غياب واضح لمفهوم الدولة  الذي تعوّل عليه القوى المدنية والوطنية الاخرى التي  تمتلك مشروعا خاصا بعنوان المواطنة وبعيدا عن المحاصصة هو شيء مشجع في ظل الأزمات التي تعيشها العملية السياسية، لكن هل يصمد هذا المشروع امام عواصف الكتل الكبرى ؟ 

هواجس شعبية .. 
يتحدث العراقيون كشعب عن هواجسهم بان تشهد مرحلة مابعد نتائج الانتخابات المحلية مشاكل وازمات وتكتلات وصراعات فيما بين السياسيين والتي تعوّد عليها الشعب بعد كل استحقاق انتخابي ، وتتلخص جل تلك الازمات بالصراع على المناصب والتحايل على القانون، في ضرب واضح للعملية الديمقراطية التي تأسست على هذه المساحة الضيقة من التجاذبات . 

تتباين آراء المراقبين والمهتمين بالشأن السياسي وتوقعاتهم بشأن تغير خريطة التحالفات السياسية بعد إجراء انتخابات مجالس المحافظات، ما بين حدوث تغيير وعدم حدوثه، ويرون ان التغيير الذي قد يحدث في انتخابات مجالس المحافظات هذه قد لايكون بالمستوى المطلوب او انه لايشكل اهمية قياسا بالحجم الهائل ومستوى الدعاية والشعارات والبرامج التي رفعت . 

الرأي المتداول في الشارع هو ان انتخابات مجالس المحافظات وما ستتمخض عنه من نتائج قد تفتح بابا آخر من أبواب الفساد والتصفيات السياسية للسيطرة على المناصب والمكاسب

الأكاديمي والباحث بالشأن السياسي الدكتور عبد العزيز العيساوي، يرى أن خريطة التحالفات السياسية ستتأثر في المحافظات الوسطى والشمالية، بينما سيظل المشهد مستقرا في المحافظات الجنوبية ،ويرجع العيساوي ذلك إلى أن انتخابات مجالس المحافظات تؤثر وتتأثر بالنشاط السياسي في مجلس النواب، وهو تأثر تاريخي، فقد تزامنت الانتخابات المحلية في 2009 و2013 قبل الانتخابات التشريعية بعام، وهو أمر مقصود.

ويشير العيساوي، إلى أن خريطة التحالفات المتأثرة في المحافظات الوسطى والشمالية في الانتخابات المحلية ستكون الفاعلة والأبرز في انتخابات 2025 التشريعية، مايعني ان الانتخابات المحلية ستؤسس للانتخابات النيابية او انها ستبنى على ما ستفرزه من نتائج .
المحلل السياسي علي البيدر، يرى أنه "قد تكون مجالس المحافظات خطوة نحو البرلمان بالنسبة لتلك الأحزاب ،إذ أن الانتخابات البرلمانية المقبلة متوقعة في العام 2025، ويضيف أن انتخابات المحافظات التي يفترض أن تجري كل أربع سنوات، تعد كذلك مغنما للكثير من الجهات الحزبية والسياسية التي تحاول غرس جذورها عميقا داخل منظومة السلطة في الإدارات المحلية وتسخير إمكانات الدولة لصالحها. 

عرف العراق منذ عام 2003 ثلاثة انتخابات محلية، كانت الأولى عام 2005، تلتها انتخابات عام 2009، ثم انتخابات عام 2013، وبعد 10 سنوات من توقفها عادت اليوم في 2023 ، حيث تأسست مجالس المحافظات بعد الاطاحة بنظام البعث العام 2003 ، وتتمتع بصلاحيات مهمة، بينها انتخاب المحافظ  ووضع ميزانيات القطاعات الصحية والنقل والتعليم، من خلال الأموال المخصصة من قبل الحكومة المركزية والإيرادات المحلية للمحافظة.

لا احد من القوى السياسية يمتلك الرغبة المشتركة لتعديل المسار نحو ترسيخ عمل سياسي مهني وفق ضوابط اخلاقية سياسية لايحيدون عنها ، فمازالت حتى اليوم شعارات الطائفية والمحاصصة  والتوافقية واللعب على وتر العشيرة والاقرباء هي السمة الغالبة لدى القوى السياسية مع غياب واضح للبرامج الحقيقية التي تحاكي معاناة الشارع العراقي 

وتجري انتخابات مجالس المحافظات على امتداد 15 محافظة ولا تشمل محافظات إقليم كردستان المتمتع بحكم ذاتي ، حيث يحق لنحو 17 مليون ناخب التوجه إلى صناديق الاقتراع في 7166 مركزا، للاختيار من بين 6000 مرشح يتنافسون على 285 مقعدا في جميع المحافظات، أكبرها عددا مجلس محافظة بغداد الذي يضم 49 عضوا، يليه مجلس محافظة البصرة ويضم 22 مقعدا.

ومن بين المرشحين 1600 امرأة، يمثلن نسبة 25 بالمئة المحددة لهن وخصصت أيضا 10 مقاعد للأقليات المسيحية والإيزيدية والصابئة في بلد متعدد الإثنيات والطوائف.
معارضو هذه المجالس رأوا بأنها أوكار للفساد وتخدم مصالح خاصة، الأمر الذي دفع البرلمان إلى حلها في خريف العام 2019 إثر ضغط شعبي، وسط تظاهرات غير مسبوقة شهدتها البلاد حينها، لكن حكومة رئيس الوزراء الحالي، محمد السوداني أمرت بإعادتها.

خدمات للشعب ام للسياسيين ؟! 
من المفترض ان تحظى مجالس المحافظات بأهمية كبيرة لتقديم الخدمات للمواطنين ومتابعة عمل المحافظين ووضع المشاريع في المحافظات ، لكن هل ستكون كذلك ام انها ستكون نسخة من سابقاتها او كما يعبر عنه الشارع بانها كانت بؤرة للفساد ونهب تخصيصات المحافظات .

المحلل السياسي، سجاد جياد، وفي مقال على موقع مركز الأبحاث الإقليمية والدولية (ايريس) التابع للجامعة الأميركية في السليمانية،  توقع بأن تحتفظ الأحزاب والائتلافات الكبيرة بالنسبة الأعلى في نتائج الانتخابات، موضحا انه  "من بين 15 محافظة، فإن المحافظات التسع الجنوبية وبغداد، ستكون من نصيب أحزاب الاطار التنسيقي أو حلفائها، مايؤكد فرضية ان الاحزاب والقوى الكبيرة ستبتلع مقاعد المجالس لتعيد تدوير نفسها من جديد بعد عشر سنوات وتؤسس للانطلاق وبقوة الى انتخابات مجلس النواب القادمة ، سواء اكانت مبكرة ام اعتيادية .

من المفترض ان تحظى مجالس المحافظات بأهمية كبيرة لتقديم الخدمات للمواطنين ومتابعة عمل المحافظين ووضع المشاريع في المحافظات ، لكن هل ستكون كذلك ام انها ستكون نسخة من سابقاتها او كما يعبر عنه الشارع بانها كانت بؤرة للفساد ونهب تخصيصات المحافظات

ولم يستبعد جياد حدوث "توترات طائفية عرقية"، خصوصا في محافظة كركوك الغنية بالنفط والواقعة في شمال البلاد والتي لها تاريخ في التوترات المجتمعية بين العرب والأكراد والتركمان ،متوقعا بأن "تبلغ نسبة المشاركة فيها 25 بالمائة من إجمالي الناخبين.

ان الكثير من العراقيين ينظر اليوم بنظرة عدم الثقة بالوعود التي يقدمها المرشحون للانتخابات، وحتى نتائجها لم يعد العراقيون يثقون بمصداقيتها مع وجود مفوضية تشكل اعضاؤها من الاحزاب ايضا .

 الانقسام السياسي بين الكتلة والمكون الواحد ابرز السمات في العملية السياسية الحالية، وهو يتخطى القواعد الجماهيرية واختياراتها وارادتها وهذا ما نلاحظه من خلال التجاذبات السياسية والصراعات التي رافقت العملية الانتخابية والديمقراطية منذ نشوئها .
استاذ الفكر السياسي في جامعة الكوفة الدكتور اياد العنبر، يرى ان "عدم الالتزام بالدستور وعدم احترامه من قبل الاطراف السياسية ادى الى نشوء "الاتفاقات السياسية" والقبول بها قبل كل انتخابات ومن ثم نقضها، مما ولد حالة من عدم الثقة فيما بينهم"، مبيناً ان "الاشكالية تكمن  في الاخلاقيات السياسية التي تعيق بناء الثقة بين الاطراف"

التوقعات تشير إلى أن خريطة التحالفات السياسية في العراق بعد انتخابات مجالس المحافظات ستتأثر وقد تغير من ملامح المشهد السياسي القادم تمهيدا للانتخابات النيابية ، في ظل وضع داخلي وخارجي غير مستقر .
أن تشكيل الحكومات في العراق وعلى مدى اكثر من 20 عاما ظل معقداً بسبب الديمقراطية التوافقية المعمول بها، والتي تتطلب توافق جميع الأطراف السياسية، مايعني ان لا قيمة للديمقراطية ،وبالتالي لاقيمة لنتائج أي انتخابات تبنى على اساس التوافقية وتقاسم الحصص .

على مدى اكثر من عقدين لم يجازف السياسيون بتغيير سياسي جوهري، فالواقع الذي اوجدوه هم انفسهم ضد هذا التغيير والبلد غير قادر على  تحمل المزيد من الهزات السياسية وارتداداتها على الشارع والسياسيون يعرفون ذلك ويستثمرونه لصالحهم

الرأي المتداول في الشارع هو ان انتخابات مجالس المحافظات وما ستتمخض عنه من نتائج قد تفتح بابا آخر من أبواب الفساد والتصفيات السياسية للسيطرة على المناصب والمكاسب ، حيث تصاعدت الصراعات السياسية بشكل ملحوظ للسيطرة على مجالس المحافظات بفعل زيادة حجم أموال التنمية والتخصيصات المالية الهائلة للمحافظات التي تعاني نقصا في البنى التحتية والخدمات، كذلك ارتفاع عائدات العراق من مبيعات النفط.

المستخلص من رأي الشارع هو انه مهما كانت نتائج انتخابات مجالس المحافظات نزيهة ام مزورة فان القوى الكبرى ستبقى هي المستفيد الاول منها، لكون تلك القوى تمتلك السلطة على القضاء والمحكمة الاتحادية والسلاح ايضا ، وباستطاعتها تصفية خصومها الفائزين ، لكن الاهم من كل هذا ان نتائج الانتخابات المحلية ستكون البوابة الواسعة التي تفتح امام الانتخابات النيابية وتؤسس لها

البعض يتحدث عن وضوح الصراع السياسي بعد لجوء اطراف سياسية نافذة الى الضغط على مفوضية الانتخابات لإقصاء مرشحين منافسين من خلال استخدام قانون المساءلة والعدالة، الذي يطالب الكثير من العراقيين بإلغائه لانه اصبح مجرد وسيلة لتصفية الحسابات واثارة التوترات بين مكونات المجتمع، وابرز من طالته تلك الاقصاءات هو محافظ نينوى نجم الجبوري .

المستخلص من رأي الشارع هو انه مهما كانت نتائج انتخابات مجالس المحافظات نزيهة ام مزورة فان القوى الكبرى ستبقى هي المستفيد الاول منها، لكون تلك القوى تمتلك السلطة على القضاء والمحكمة الاتحادية والسلاح ايضا ، وباستطاعتها تصفية خصومها الفائزين ، لكن الاهم من كل هذا ان نتائج الانتخابات المحلية ستكون البوابة الواسعة التي تفتح امام الانتخابات النيابية وتؤسس لها ، وبالتالي فان من دخل تلك البوابة من المجالس بقوة السلطة والمال والسطوة سيدخل بوابة البرلمان بنفس القوة ايضا، وسيتكرر المشهد من جديد وتتفاقم الازمات والمعاناة، حتى تنجلي ارادات الوجوه القديمة التي رافقت أعمار العراقيين واسهمت بدمار وخراب البلد .

اختيار المحررين