"أبغض الحلال "يدق ناقوس الخطر

16971 مشاهدة
08:06 - 2023-02-23
تقاریر و تحقیقات

الداعي نيوز / تحقيقات وتقارير  

بسم الله الرحمن الرحيم 

(( يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ))  
صدق الله العظيم  

الطلاق في اللغة مأخوذ من الإطلاق وهو الإرسال والترك ،تقول:أطلقت الأسير ،إذا حللت قي قيده وأرسلته ،اما مفهومه في الشرع فهوحل رابطة الزواج، ، ويعني ايضاً الفراق والإنفصال بين الزوجين وفقاً لشروط وأحكام شرعية  والطلاق بشكل مبدئي جائز ، إلا أنه مكروه كراهة شديدة
الدين الاسلامي وضع قوانين تنظم الحياة من خلال الاحكام الواردة في القرآن الكريم ، فنظم كل شاردة وواردة في تفاصيل الحياة، ومنها الزواج والطلاق وغيرها ، ولاننا نعيش ضمن هذه المنظومة العظيمة التي اسسها الخالق سبحانه ، لابد من التقيد بتلك الاحكام وفق منظور ديننا الحنيف وتعاليمه السمحة .

احصائية عقود الزواج وحالات الطلاق لشهر كانون الثاني 2023

تبدو صورة الطلاق سوداء قاتمة ، وجراء انفصال الزوجين عن بعضهما تعم الخسارة كليهما بل تعود بالضرر على الابناء والاحفاد وحتى المجتمع، لأن الأمر يتعلق بهدم كيان الأسرة بالكامل وضياع تاريخها وتشظيها ، فالطلاق يؤدي إلى التفكك الأسري وكثرة المشكلات بسبب تنمية مشاعر الحقد والبغض والكراهية بين الطرفين، فضلاً عن تحمل عبء إضافي بعد الطلاق من ناحية توفير المسلتزمات الخاصة بالأبناء، لاسيما إذا كانت الأم هي الحاضنة، كما يؤدي الطلاق إلى ارتفاع جرائم جنوح الأحداث. 

وبحسب متخصصين في علم الاجتماع ،فأن نتائج الطلاق تبدو اقسى على المرأة التي تتعرض لضغوط نفسية بسبب شعورها بالذنب تجاه أطفالها، أو أنها السبب في تفكك الأسرة حتى وإن كان موضوع الطلاق خارجا عن إرادتها، أما الأطفال فيتعزز لديهم الإحساس بالفقد واليتم، لأن الانفصال هو فقدان حياة أسرية بأكملها، ويلازم الطفل شعور بالغربة والوحدة والخوف من زواج أحد الطرفين، وما يسببه هذا الزواج من مشاعر نفسية مؤلمة على حياة الأولاد ، اما الرجل، فالطلاق سيخلف آثاراً سلبية على حياته، وسيخلق عنده خوفاً من الإقدام مستقبلاً على الزواج. 

وضح القانون العراقي إجراءات الطلاق في العراق حسب المادة  39 من قانون الطلاق العراقي وفق  الأتي: من أراد الطلاق عليه أن يقيم الدعوى في المحكمة الشرعية يطلب إيقاعه والحصول على حكم به فإذا تعذر عليه الرجوع إلى المحكمة ينبغي له تسجيل الطلاق في المحكمة أثناء فترة العدة. 

في عام 2022  وحده تم تسجيل نحو 70 ألف حالة طلاق في المحاكم العراقية ، وبمعدل وسطي يبلغ قرابة 200 حالة يوميا

في العقود الاخيرة وصولا للاشهر الاولى من عام 2023 ، تفاقمت حالات الطلاق في العراق وارتفعت الى مستويات مخيفة ومقلقة وغير معهودة ما يستدعي دق ناقوس الخطر ازاء هذا الوحش الذي يفترس المجتمع ،والذي نتج عن جهل بالاسباب الشديدة والملحة المؤدية الى التفريق بين الزوجين ، وليس على مستوى العراق فحسب بل تشهد المجتمعات العربية ايضا تفاقما غير مسبوق  لهذه الحالة، ولابد ايضا من الوقوف على اسباب هذا الارتفاع في نسب حالات الطلاق ووضع معالجات حقيقية واقعية لدرء هذا الخطر المحدق بالمجتمع.  

في عام 2022  وحده تم تسجيل نحو 70 ألف حالة طلاق في المحاكم العراقية ، وبمعدل وسطي يبلغ قرابة 200 حالة يوميا، وينشر مجلس القضاء الأعلى شهريا بيانات مفصلة بعدد حالات الطلاق في العراق، ولا تشمل تلك الإحصائيات حالات الطلاق المسجلة في محاكم إقليم كردستان العراق، مما يعني أن الرقم أكبر بكثير عند احتساب كافة الحالات في العراق ككل. 

مبنى مجلس القضاء الاعلى العراقي

كشفت إحصائية رسمية صادرة من القضاء عن تسجيل المحاكم العراقية 4092 حالة طلاق لنساء لم يبلغن الخامسة عشرة خلال عامي (2020-2021)، حيث احتلت  محافظة نينوى المرتبة الأولى بتسجيلها 1155 حالة طلاق، إذ انفصلت 442 فتاة عن زوجها في عام 2020، وتضاعفت هذه النسبة حتى بلغت 713 حالة طلاق لفتاة شابة. 

ويرجع اغلب القضاة المتخصصون بقضايا الأحوال الشخصية اسباب الطلاق الى الزواج المبكر كأحد الأسباب الرئيسية التي ضاعفت نسب الطلاق في العراق، اضافة الى اسباب اخرى تتعلق بالمستوى المعيشي والبيئة والخيانة الزوجية وغيرها، ويؤكدون ان العراق مازال  يعاني من وجود زواج القاصرات بسبب الأعراف والتقاليد المتوارثة، إذ يرى الكثير أن الزواج ستر للمرأة ومستقبلها. 

ان من ابرز العوامل التي تتسبب بحالات الطلاق هو الوضع الاقتصادي الذي يساهم بشكل مباشر في الخلافات بين الأزواج، وكذلك المستوى الثقافي وعدم الانسجام الفكري بين الزوجين بسبب صغر أعمارهم ،إضافة إلى الأسباب المباشرة في توتر العلاقات ومنها تطور المجتمع ومواقع التواصل الاجتماعي والخيانة الزوجية الالكترونية ، مع انتشارتلك مواقع وسهولة الوصول اليها .

ويفسر متخصصو الاجتماع لجوء كثيرون إلى المكاتب الشرعية لتوقيع الطلاق تفاديا لمحاولات الصلح التي يقوم بها القضاة في محاكم الأحوال الشخصية، ما يؤشر إلى غياب الوعي القانوني وعدم إدراك نتائج التفكك الأسري وكذلك يؤشر غيابا واضحا للالتزام الديني والاخلاقي. 

 ان من ابرز العوامل التي تتسبب بحالات الطلاق هو الوضع الاقتصادي الذي يساهم بشكل مباشر في الخلافات بين الأزواج، وكذلك المستوى الثقافي وعدم الانسجام الفكري بين الزوجين

المستشار القانوني العراقي محمد السامرائي، يرى ان ارتفاع نسب الطلاق في العراق مرتبط بعدة عوامل اقتصادية واجتماعية متداخلة، لكن حصة الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة هي الأكبر في الوقوف وراء ازدياد حالات الطلاق وبلوغها مستويات خطيرة ، ويؤكد ان إقدام الشباب على الزواج وبأعمار صغيرة وعدم توفر فرص العمل لهم، وزيادة ضغوط الحياة ومتطلباتها، هي من أبرز الأسباب، وهنا يجب أن تتضافر جهود مختلف مؤسسات الدولة في سبيل الحفاظ على نواة المجتمع، وهي الأسرة، داعيا الى تشديد العقوبات القانونية على الزواج خارج المحكمة في نصوص قانون الأحوال الشخصية، وتشديد الإجراءات القانونية اللازمة لمنع الزواج دون السن القانونية، وتقليل الموافقات الخاصة من المحاكم فيما يتعلق بذلك ، الى جانب تفعيل دور المعالجات القانونية لحالات العنف الأسري، وتشريع القوانين اللازمة لتوفير فرص عمل للشباب، سواء من خلال فتح وتمويل المشاريع الصغيرة، أو مشاريع البنى التحتية. 
 

البطالة احد اسباب الزيادة في حالات الطلاق

ويشكل عدم الاستقرار السياسي في العراق وقلة التثقيف الديني الصحيح زيادة في حالات الطلاق بعد انصراف الكثير الى مصالحهم السياسية والشخصية وكذلك غياب اغلب رجال الدين عن ساحة التثقيف والوعظ الديني والاجتماعي من خلال التذكير باحكام الدين الاسلامي ومبادئه السمحة والتاكيد على صلات الارحام . 

ان السلطتين التشريعية والتنفيذية مطالبتان بمعالجة النقص التشريعي في موضوع حماية الرابطة الأسرية وتنميتها ،وكذلك وضع سياسة اقتصادية تدعم مختلف شرائح المجتمع، وإيجاد فرص عمل تحقق الاستقرارالمعيشي للعائلة ، كما ان المحاكم مطالبة بالتريث في إصدار قرارات التفريق القضائي والاطالة الزمنية في عمل الباحث الاجتماعي، وكذلك تقليل منح موافقات الزواج المبكر لمن هم دون سن 18 عاما، وفرض الحد الأقصى من العقوبات على مرتكبي جريمة الزواج خارج المحكمة. 
 
الناشطة الحقوقية ، سارة جاسم ،تشير الى ان" الارقام الاخيرة لحالات الطلاق في العراق تمثل  كارثة اجتماعية واقتصادية محققة تحل على المجتمع العراقي ، مبينة ان التأثيرات السلبية التي فرضتها التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي كانت كبيرة على المجتمع"، وتضيف ان "الأسباب تتعدد وتعقدت المسألة مع انتشار التكنولوجيا ومنصات التواصل وتزايد ظاهرة الخيانة الزوجية بفعلها، فضلا عن متطلبات الحياة المكلفة التي قد تفرض في حالات كثيرة الاضطرار للسكن المشترك مع أهل الزوج، مما يخل بخصوصية الحياة الزوجية ما يؤدي هذا غالبا إلى تدخل الأهل في الحياة الزوجية بشكل سلبي، علاوة على اعتماد الزوج ماديا على أهله وصعوبة الحصول على فرص عمل" بحسب قولها . 

عدم الاستقرار السياسي في العراق وقلة التثقيف الديني الصحيح زيادة في حالات الطلاق

لم يشهد مجتمع مثل المجتمع العراقي وهو اسلامي بطبيعة الحال تفاقما لظاهرة مثل ظاهرة الطلاق التي اتسعت دوائرها وبدت السيطرة عليها اصعب مما يتصور المتخصص والقاضي ورجل الدين والمسؤول ، فهي تنشأ داخل المنازل وتنتشر بين المجتمع فتتناثر العائلة كشظايا حارقة على رأس المجتمع موزعة بين ابناء ضحايا ونساء ورجال ، ليبدأ التفكك الاسري بعدها منتقلا بين الشوارع والازقة مخلفا جيلا يشكل عبئا كبيرا على تماسك المجتمع ، وان لم تلتفت كل الفعاليات الشعبية والدينية والحكومية والتشريعية الى هذا الوحش الهائج وتقلم اظفار فكرة الطلاق دون اسباب قاهرة وموجبة سنرى في القريب العاجل اجيالا من ضحايا الطلاق والتفكك الاسري ، ولسنا بحاجة الى مزيد من التراجع في كل شيء.


اختيار المحررين