زهايمر سياسي

15191 مشاهدة
11:45 - 2022-12-02
تقاریر و تحقیقات

الداعي نيوز / تحقيقات وتقارير 

هل بلغ النظام السياسي في العراق "مرحلة الشيخوخة" واوشك على "الهاوية" ؟ 

في 11 تشرين الثاني 2022 ،خلص موقع "مودرن دبلوماسي" الأوروبي الى أن النظام السياسي في  العراقي بلغ "مرحلة الشيخوخة" حيث حذر التقرير من أن القوى الداخلية والخارجية، مستفيدة من استمرار هذا الوضع وان ثقة العراقيين في النظام السياسي الحالي قد اهتزت وتلاشت.  

السوداني وكابينته الوزارية يؤدون اليمن الدستورية

وتحت عنوان "هاوية الأزمة السياسية العراقية"، ذكر التقرير الاوروبي "ان العراق يعيش منذ العام 2003، متأثرا بالأزمات السياسية التي حالت دون تحقيق التوافق بين الكتل التي يتشكل منها نظامه السياسي." معتبرا ان "النظام السياسي العراقي الحالي ومنذ تشكيل العملية السياسية مر بأزمات وتحديات كادت أن تنسفه، إلا أنه قاومها وتمكن من تخطي التحديات"، موضحا ان كل من يشارك في العملية السياسية، حتى من يدعي أنه معارض، لا يرغب بانهيار هذا النظام رغم أنه حافل بالمشاكل والأزمات كالفساد والمحاصصة والخطاب الطائفي" ، ورغم استمرار هذه المشاكل وتفاقمها لكنها لا تساهم في تسريع سقوط النظام بالكامل، وإنما تؤدي الى ابقائه معتلا وتطيل معاناته لأطول فترة ممكنة" .  

بعد عام كامل من اجراء الانتخابات المبكرة في العراق في تشرين الثاني 2021 و انسداد سياسي خانق وتظاهرات وضحايا وشد وجذب ، تشكلت الحكومة العراقية الجديدة باختيار محمد شياع السوداني رئيسا لها بتوافق واضح بين الاطراف السياسية الفاعلة في المشهد العراقي، بمعزل عن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الذي اختار الخروج من المشهد السياسي حاليا مجمدا 73 مقعدا في البرلمان ، وبدأ السوداني اكثر استعراضا لعضلات مؤقتة نفخها الاطار التنسيقي الذي رشحه لرئاسة الحكومة، محاولا تأسيس انطباع لدى الشارع العراقي بانه جاء محملا بكل اسباب انقاذ البلاد من الفساد والفاسدين وانه سيشرع بملفات الخدمات والرعاية والقضاء على الفقر كاولوية قصوى ادرجها ضمن برنامجه الحكومي ، ومضى يقصي هذا ويحيل ذاك الى النزاهة ويغير ضباطا وقادة هنا ويستبدل اخرين هناك وكأن الحل يكمن في استبدال الاشخاص وتدوير المناصب في حملة وصفها محللون سياسيون بانها بدأت قوية ثأرية وستخفت جذوتها بعد حين !   

ما الذي سيحدث ان فشل السوداني وحكومته باصلاح ما افسده من اختاره اصلا  ؟ وهل سيكون الرجل اخر رئيس للوزراء خرج من عباءة القوى السياسية التي اصابها "الزهايمر"

ما الذي سيحدث للعراق ان فشل السوداني وحكومته باصلاح ما افسده من اختاره اصلا  ؟ وهل سيكون الرجل اخر رئيس للوزراء خرج من عباءة القوى السياسية التي اصابها "الزهايمر" ولم تعد قادرة على اصلاح الاوضاع في بلد تخلف وتأخر عن الركب كثيرا كثيرا . 

هل سينتهي نظام المحاصصة الطائفية في العراق ؟ وهل تصدق تنبؤات محللين سياسيين ودبلوماسيين ؟  
السفير الأمريكي السابق لدى سوريا والجزائر، والباحث لدى معهد الشرق الأوسط في واشنطن، روبرت فورد، يقول أن الوضع السياسي الحالي في العراق ، يشكل "بداية نهاية النظام السياسي العراقي الذي تأسس تحت مظلة الولايات المتحدة منذ 2003." ويضيف فورد "إن الأمريكيين مارسوا ضغوطاً على الأحزاب السياسية من أجل بناء حكومات ائتلافية شجعت على إقامة نظام المحاصصة."، حيث مارسوا ضغوطاً لتولي نوري المالكي منصب رئيس الوزراء عام 2006، ثم مرة أخرى في 2010، مشيراً إلى أن الأمر الأكثر أهمية، هو أن الأمريكيين ارتكبوا خطأ استراتيجيا كبيرا في السنوات الأولى من النظام العراقي الجديد هو التعامل بسذاجة بشأن مشكلة المليشيات. 

اقطاب قوى الاطار التسيقي الشيعي المسيطر على المشهد السياسي في العراق بعد 2003

ويتابع فورد القول : "في أيلول2003، عندما كنت ممثلاً لبول بريمر في النجف، اعتقلني “فيلق بدر” تحت تهديد السلاح لمدة أربع ساعات قبل إطلاق سراحي، لذا، عندما عملت في السفارة الأمريكية منذ 2004، كنت أعرف خطر المليشيات على الأمن والاستقرار في العراق ، مضيفا انه كان تفكيرنا ساذجاً حيث اعتقدنا أن قادة الميليشيات سيتخلون عن أسلحتهم وسيعملون فقط داخل البرلمان ومع مجلس الوزراء، لتأمين المشاريع لمجتمعاتهم، لكن الميليشيات احتفظت بأسلحتها، ولم تبذل الحكومة العراقية أي جهد لنزعها. 

ان تغوّل سلطة الأحزاب السياسية على السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية للدولة العراقية وعلة الدستور العراقي الذي أعطى سلطة شبه مطلقة للبرلمان الذي تسيطر عليه تلك الأحزاب، وبالتالي نفذت اجندتها باريحية تامة ممتلكة الاموال والسلاح والسلطة متشحة برداء الديمقراطية التي غابت مفاهيمها الحقيقية وباتت المحاصصة تتجدد وتبدل جلدها عندما تحين الانتخابات ويبدأ بعدها حراك تقاسم المناصب .

ان اندثار عملية التحول الديمقراطي في العراق قد يكون وشيكا إذا استمرت القوى السياسية المؤثرة في مواقفها وسياستها وتوافقاتها على نظامها السياسي الفاشل، وستصنع هي الاحداث وتلتهم الشارع وتغيب رؤية التغيير والاصلاح الحقيقيين، ولكن استمرار هذا يعني نهاية حتمية وموتا بطيئا للنظام السياسي الحاكم ،وقد ينتهي الأمر في العراق ايضا بتغيير النظام الى رئاسي شمولي بدون رقابة وبدون فصل حقيقي بين السلطات، وعندها سيكون العراقيون قد دفعوا من عمرهم اكثر من 20 عاما ثمنا لديمقراطية مزيفة رسختها القوى السياسية والدينية الطائفية المؤثرة في البلاد وبقيت تغذي فيها منطق المحاصصة  تحت مسمى الديمقراطية التوافقية.  

بول بريمر اول حاكم مدني أمريكي للعراق بعد 2003

ثمة الكثير من الأطراف الخارجية والدولية تريد للعراق أن يبقى ضعيفا وأن يكون بمثابة سوق لبضائع تلك الدول، وهذا الوضع ملائم جدا للقوى السياسية الداخلية التي تستفيد من استمراره لأنه يسهل عليها تقاسم موارد البلاد والمضي بفسادها المشرعن.  

تسلم العراق السيادة من المحتل الامريكي في عام 2005, ومضى بعدها من فشل الى فشل حتى العام 2022 ، حيث يصارع السياسيون لاصلاح مواقفهم مع الشعب لكن الوقت قد مضى ولم يعد ينطلي على العراقيين مفهوم الطائفية التي لبسوها ثوبا لتمرير مشاريعهم المادية والثراء على حساب بلد ما زال أنموذجأ للفشل غير المسبوق بين دول العالم وفي كل شيء ، من جواز سفره الى الرياضة ومن نظامه المروري الى الصحي والتعليمي وغيرها ، وبات العراق دولة سلطة بالنسبة لهم وليس دولة هدف ودولة مواطنة ومؤسسات وانما دولة مكونات طائفية وعرقية يتكرس فيها التناقض ينتشر فيها الصراع المذهبي والتهميش والترهيب الطائفي, فضلا عن أنه صار دولة تنتشر فيها ثقافة الفساد المالي والاداري والسياسي, ويدار بسياسة الصدمة والازمة ليغطي العجز والفشل الداخلي.  

ثمة الكثير من الأطراف الخارجية والدولية تريد للعراق أن يبقى ضعيفا وأن يكون بمثابة سوق لبضائع تلك الدول، وهذا الوضع ملائم جدا للقوى السياسية الداخلية

ظهرت في الاونة الاخيرة تصريحات لشخصيات سياسية عراقية بارزة تحدثت عن  قرب الإطاحة بالنظام السياسي القائم عبر تدخل مباشر من قوى خارجية، والسيناريو الجديد الذي يتحدث عنه سياسيون عراقيون، سيتحقق خلال العامين المقبلين، إذ يقول النائب السابق فائق الشيخ علي وهو ليبرالي، إن "مخططا يدار الآن لإسقاط نظام الحكم في العراق خلال العامين المقبلين"، مؤكدا أن "قوة التغيير ستكون ساحقة مدمرة تطلق مرحلة صعود البلاد كمحور للمنطقة". 
 

فائق الشيخ علي سياسي ليبرالي عراقي وأمين عام حزب الشعب
وظهر الشيخ علي خلال مقابلة تلفزيونية في 5 تموز 2022 بمعلومات وصفت بأنها "صادمة" قال إنه اطلع عليها وهي "مؤكدة"، مشيرا إلى أن هذا الظهور الإعلامي له سيكون الأخير لحين وقوع "الأحداث الكبرى في العراق" عام 2024 ، بحسب قوله ، لافتا الى أن "قوة ساحقة مدمرة ستزيح الطبقة السياسية برمتها، لتبدأ مرحلة مغايرة لعراق جديد يكون محور المنطقة"، مبينا أن "عام 2024 هو أقصى موعد للقضاء على النظام الحالي إلى الأبد" ، مذكّرا بتنبؤات سابقة عن سقوط نظام صدام حسين قبل عام 2003، مشيرا إلى أن "السياسيين المعارضين حينها كانوا يسخرون من تلك التنبؤات، قبل أن تقع" ورفض الشيخ علي الكشف عن "الدولة التي تتبنى إسقاط النظام وآلية التنفيذ"، مؤكدا أنه "على اطلاع على المخطط الكامل لإسقاط النظام، وأنه لا توجد قوة تستطيع إيقاف ما سيحصل حتى إيران" ، مضيفا إن "المسؤولين عن هذا النظام قاطبة سيقتلون في حال أبدوا المقاومة، أو يعتقلون ويعترفون بجرائم القتل والسلب ثم يحاكمون ويعدم منفذو الجرائم"، مشددا على أن "القوة القادمة هائلة ضاربة قاضية مدمرة عنيفة لا يوجد لديها رحمة على الإطلاق نافيا ان يكون هناك مكان لحزب البعث أو أي من القوى الطائفية في النظام الجديد"، لافتا إلى أن "الحاكم في العراق سيكون شخصا مدنيا وطنيا عراقيا بعيدا عن الدين والطائفية والقومية، ليبدأ مرحلة تحول على مستوى البناء والإعمار والثقافة ، وان النظام الجديد لن يسمح بالفوضى التي حدثت بعد غزو عام 2003". وفي السياق ذاته، نشر المحلل السياسي العراقي، فلاح المشعل سلسلة تغريدات على "تويتر" في 6حزيران 2022 وصف فيها ما طرحه فائق الشيخ علي وغيره  بأنها "أمنيات بائسة" ، وشاطره المحلل السياسي هيثم هادي نعمان خلال تغريدة على "تويتر" في 5 حزيران، بالقول:  ان"ما قيل عن قوة ضاربة تحرر العراق من الخارج ما هو إلا وهم وخيال يدغدغ مشاعر العراقيين ويعزز فكرة انتظار المنقذ الخارجي التي أجلت الرغبة الثورية في التغيير لزمن إضافي".

وايا كانت التكهنات والاختلافات حول مستقبل النظام السياسي في العراق فان كل المعطيات تشير الى شيخوخة هذا النظام وانه لم يعد قادرا على ادارة البلد بذات النفس التوافقي والمحاصصة ،وهو يمر اليوم باحرج حالاته محاولا لملة شتاته بعد فوات الاوان من خلال حكومة محمد شياع السوداني التي مر عليها شهر تقريبا وهو عد تنازلي للعام الذي قطعه السوداني على نفسه في برنامجه الحكومي يجري بعده انتخابات مبكرة ينتظرها الخارجون من التيار الصدري على احر من الجمر ، فهل يستطيع السوداني اقناع العراقيين بانه اخر المخلصين ام سيكون اخر اوراق النظام السياسي التي ستسقط مع نهاية العام الاول ان لم يفِ بوعده وسيسقط معه النظام السياسي برمته ؟؟!

 

 

اختيار المحررين