تسليح مبالغ واقتصاد على المحك

2375 مشاهدة
12:03 - 2022-01-25
تقاریر و تحقیقات

الداعي نيوز / تحقيقات و تقارير 

يتمتع العراق بالكثير من الموارد الطبيعية التي يمكنها أن تدر إيرادات ضخمة على البلاد ان تم استغلالها بالشكل الصحيح، وتجعل من المواطن العراقي الأعلى دخلا في العالم لكن الواقع العراقي خلاف ذلك، حيث يرزح نحو اكثر من 40% من العراقيين البالغ تعدادهم أكثر من 40 مليون نسمة تحت مستوى خط الفقر، بحسب اخر تقرير للبنك الدولي، ويشكل النفط المورد الرئيسي للموازنة العامة للبلاد وبنسبة 95% ،في حين كانت الزراعة وحدها تشكل نسبة 30% من حجم الناتج المحلي قبل اكتشاف النفط في القرن الماضي. 

صورة لمخطط يوضح مستوى الانفاق العسكري في العراق من 2012 - 2020

الحكومات المتعاقبة على العراق ومنذ تأسيس الدولة العراقية في عام 1921  لم تخطط لوضع  بدائل اقتصادية الا ما ندر خلال الحقبة التي اعقبت تأسيس الدولة ،وبقي العراق معتمدا على اقتصاد ريعي ، في حين أن الكثير من دول العالم بدأت بمغادرة النظام الريعي والذهاب تجاه اقتصاد السوق المفتوحة. 

وعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها العراق ، والتي سببت تراجع النشاط الاقتصادي وأجبرت الحكومة على خفض قيمة الدينار لمواجهة العجز الهائل في إيراداتها، فإن مخصصات المؤسسة العسكرية من الموازنة العامة لم تتقلص وبقيت في تزايد ، فموازنة عام 2021 على سبيل المثال لا الحصر زادت مقارنة بالسنوات الماضية، حيث بلغت مخصصات المؤسسة العسكرية بمجملها 27.617 تريليون دينار (18.7 مليار دولار)، وتشمل النفقات التشغيلية وتسليح الجيش وهيئة الحشد الشعبي وجهاز مكافحة الإرهاب ووزارة الداخلية بجميع مؤسساتها الأمنية. 

كما أن الموازنة تضمنت طلب قروض من جهات دولية لتسليح هذه المؤسسات، تتجاوز قيمتها 600 مليون دولار خلال عام 2021، ليبلغ الإنفاق العسكري نحو 16.6 في المئة من الإنفاق العام للبلاد. 

الاقتصاد القوي هو الطريق الامثل للامن والاستقرار في بلدان سئمت الحروب وغادرتها لتبني وتؤسس لتنمية اقتصادية تعود على شعوبها بالرخاء

وبرر وزير الدفاع العراقي جمعة عناد، في تصريحات صحافية بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس الجيش، استمرار ارتفاع الإنفاق العسكري بالنقص الكبير الذي تعانيه المؤسسة العسكرية بعد حرب السنوات الثلاث ضد تنظيم "داعش". 

وأضاف عناد أن نسبة تسليح الجيش لا تتجاوز 30 في المئة، وهناك نقص كبير في المعدات والمستلزمات الضرورية لعمله، مشيراً إلى أنه يستخدم حالياً رادارات مدنية في عمله، بدلاً من العسكرية التي يفتقدها. 

حقول النفط في المحافظات العراقية

إن النظام الاقتصادي الموجّه الذي يدير الحياة الاقتصادية في العراق أدى لعدم الاستغلال الأمثل للثروات، وأوقف عجلة التنمية في قطاعات الصحة والتربية والتعليم والصناعة وقطاعات أخرى وارتفع معها منسوب تخصيصات التسليح العسكري والانفاق على الاجهزة الامنية بشكل ملفت مايعني ان العراق مازال يرزخ تحت رؤية المعسكر الاشتراكي في التسليح والتاهب للحروب، تاركا خلفه مبدأ التنمية الاقتصادية في جوانب الحياة الاخرى ، والذي اوصله بالنتيجة الى تضخم في البطالة وتوقف لعصب الحياة الاقتصادية، مثل المعامل والمصانع والحرف الاخرى وبقي القطاع الخاص مركونا على رفوف بلد يعاني من كل شيء وجل اهتمامه هو بناء منظومة عسكرية، في حين غادر العالم هذه الفكرة وتوجه لبناء اقتصاديات كبيرة تعود بالنتيجة على بلدانه بامن مستتب، فالاقتصاد القوي هو الطريق الامثل للامن والاستقرار في بلدان سئمت الحروب وغادرتها لتبني وتؤسس لتنمية اقتصادية تعود على شعوبها بالرخاء. 

المنسق العام لشبكة الاقتصاديين العراقيين الدكتور بارق شبر، اعتبر أن المشكلة الهيكلية في العراق تتمثل في أن الثروات الكامنة التي يزخر بها العراق ولم تُستغل بعد تعتبر مطامع لدول خارجية وأوضح مثال على ذلك بأن هناك كميات ضخمة من المعادن في الصحراء الغربية والغاز الطبيعي والغاز المصاحب وحتى الأراضي الصالحة للزراعة،واعتبر شبر أن "الثروات المستغلة ليست وفق المنطق الاقتصادي والإداري"، مطالبا بوضع خطط للتوزيع الأمثل لاستغلال هذه الثروات المختلفة لتحقيق أكبر فائدة اقتصادية تعود على جميع القطاعات وليس قطاع بعينه. 

جيشنا العراقي البطل

لقد عانى الاقتصاد في العراق من فوضى حقيقية وعدم وجود خطط تنموية بإطار علمي يضمن نتائج ايجابية لتحقيق النهوض والنمو  فعلى اثر السياسات الاقتصادية الخاطئة والإهمال الذي سببته الحروب المتعاقبة في زمن الدكتاتور صدام، وما تبعها من دمار العنف والارهاب في السنوات الاخيرة انهارت تماما ركائز الاقتصاد الصناعية والزراعية والتجارية حتى اصبح البلد يستورد كل شيئ بدءا من المنتجات والسلع الصناعية وحتى اللحوم والخضار. 

يمكن وضع الإقتصاد العراقي ضمن الاقتصاديات النامية وبما يطلق عليه إقتصاد البلدان النامية، فهو يخرج من خانة الدول المتقدمة ولا ينزلق في خانة الدول المتخلفة، كونه يقع ضمن مجموعة الدول النفطية، وإن لهذه المجموعة خصوصية منفردة عن بقية الإقتصادات النامية لما تتمتع به من الوفرة النفطية وبالتالي الوفرة المالية ومن ثم نلاحظ ان الإقتصاد العراقي عند مقارنته بالإقتصاد العالمي يمكن ان نقول انه مختلف لكونه يقع ضمن الاقتصادات النامية والاقتصادات النفطية.

لكن منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة لم يشهد الاقتصاد العراقي المقاربات التي توافرت عليها الاقتصادات النفطية الأخرى كاقتصادات دول الخليج، فالفوضى التي يعاني منها الإقتصاد العراقي الحالي هي ليست وليدة سقوط النظام السابق فقط وإنما هي نتاج سياسات اقتصادية خاطئة للحكومات المتعاقبة بعد 2003  قامت بها وسلكتها ومارستها، اضف الى هذا الفساد الكبير واستغلال ثروات البلاد من قبل اشخاص بعينهم يمثلون احزابا متنفذة في السلطة وهدر كبير للمال على ايدي متنفذين فاسدين. 

لقد غادر العالم باسره فكرة التسليح المفرط واصبح انتقائيا من ناحية النوع لا الكم بينما لازال  العراق كلاسيكي الاقتصاد متراجع الموارد مسلحا لكنه غير امن

الصناعة العراقية بقيت على الهامش وغير منافسة وغير قادرة على الدخول الى الأسواق الإقليمية على الأقل، الزراعة العراقية ايضا مصابة بتدهور البنى التحتية نتيجة إرتفاع تكاليف المنتوج المحلي، أي ارتفاع الوحدة الواحدة من الإنتاج الزراعي، وبالتالي عدم القدرة على المنافسة حيث نلاحظ ان السلع الزراعية للدول المجاورة تنافس السلع الزراعية المنتجة محلياً، وكذلك وجود ارادة لدى بعض الاحزاب الحاكمة والمتنفذة تتحكم بالامر وتمهد لاستيراد مواد غير ضرورية موجود اصلا في العراق لمنافع شخصية. 

وبالنتيجة فإن المرحلة التي اعقبت دخول السلع الزراعية من البلدان المجاورة للعراق أدت الى إنهيار تام في القطاع الزراعي مما أدى الى توقف عجلة الإنتاج في هذا المجال، وبقي الإقتصاد العراقي يعاني من الفوضى و الإرتباك التام مع إعتمادية شديدة على النفط في توفير الإيرادات المالية للقيام بالخدمات والبنى التحتية . 

ارتفاع القوة الشرائية للمواطن العراقي ووجود فساد مالي واداري كبير في مفاصل الدولة المختلفة مع ارتفاع مفرط في رواتب بعض الكوادر العليا في الدولة العراقية ادّى الى ان يكون الإنفاق بشكل كبير على هذه السلع وبالتالي ارتفاع اسعارها، ومن اسباب التضخم ما يسمى بالتضخم المستورد، فعند استيراد السلع من البلدان المجاورة باسعار مرتفعة نكون قد استوردنا معها عملية التضخم بشكل مباشر، وعليه يجب ايجاد معالجات جذرية، واهم هذه المعالجات هي تدوير عجلة الانتاج ووضع ضوابط وسيطرة نوعية لكل البضائع التي تدخل الى العراق، ووضع سيطرة للمواد الغذائية والمواد المنزلية و المواد الانشائية للكشف عن عملية التلاعب والغش في هذه المواد، والاهم هو وضع خطة تنموية شاملة للاقتصاد العراقي تعتمد على الاولويات وتغادر مرحلة التركيز على التسليح تاركة خلفها مفاصل مهمة وقطاعات على تماس مباشر مع حياة المواطن ومصدر عيشه. 

لابد من وضع خطط استراتيجية من شأنها النهوض بالاقتصاد العراقي في كل المتغيرات الإقتصادية ، بحيث تكون هناك سياسة كلية ، ومنهاج سنوي و خطط تتجاوز العشرة أو الخمسة وعشرين سنة، وهذا ما يمكن أن تتبناه وزارة التخطيط العراقي التي غابت تماما  عن مشهد التنمية وتركت للاحزاب ادراج الموازنة المالية العامة للبلد بما تشتهيه وتفهمه هي "التسليح العسكري" لاغير . 

العراق وبعد سقوط النظام السابق في عام 2003 وقّع إتفاقية مع صندوق النقد الدولي على اساس التخفيض التدريجي للديون بالإتفاق مع نادي باريس، وهذه إتفاقية كانت لها شروط قاسية وعالية السقف، ولها إنعكاسات اجتماعية خطيرة، ومنها رفع اسعار المنتجات النفطية ومحاولة تقليص مفردات البطاقة التموينية وما يمكن ان يؤول اليه الأمر في مواجهة اسعار المواد الغذائية فيما لو تم إلغاء هذه البطاقة، وبالتالي فان سياسة الدولة الاقتصادية في تراجع بينما العالم يتقدم والعراق يزداد تسليحه بانفاق هائل وامن مازال هشا. 

لقد غادر العالم باسره فكرة التسليح المفرط واصبح انتقائيا من ناحية النوع لا الكم وهو يسعى اليوم لبناء اقتصاديات تعود على بلدانه بالنفع والرخاء فيما بقي العراق كسلاسيكي الاقتصاد متراجع الموارد مسلحا لكنه غير امن ، ومبالغ طائلة تنفق على مؤسسة عسكرية والامنية معظم من يدريها فاسدون ، فهل سنشهد تنمية اقتصادية شاملة توازن بين الانفاق والموارد ام يبقى العراق ريعيا نفطيا  مبالغا بتسليحه ،حتى ينضب نفطه ، "ولات حين مناص" .


اختيار المحررين