انسحاب المجرّبين .. تمويهٌ بنية العودة

1346 مشاهدة
08:33 - 2021-08-29
تقاریر و تحقیقات

الداعي نيوز / تقارير 
 
ظهر زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، في 15 تموز 2021، أمام الكاميرات، وأعلن انسحابه من المشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة المقرر اجراؤها في 10 / 10 / 2021 قائلا : "أعلن سحب يدي من كل المنتمين لهذه الحكومة الحالية واللاحقة وإن كانوا يدعون الانتماء إلينا آل الصدر" ، في خطاب لم يتعد الدقائق، أعلن فيه عدم مشاركته وعدم دعمه لأي حزب في الانتخابات التشريعية المقبلة.    

لحضة اعلان مقتدى الصدر الانسحاب من الانتخابات

وجاء قرار الصدر بعد ثلاثة أيام فقط من المأساة التي حدثت في مستشفى الحسين في الناصرية، عندما تسبب حريق في كرفان مخصص لعزل مرضى كورونا بمقتل العشرات، والحادث هو الثاني الذي يلتهم مستشفى في العراق، إذ أدى حريق اندلع في  نيسان الماضي داخل مستشفى ابن الخطيب في بغداد المخصصة لعزل مرضى كورونا إلى مقتل 82 شخصا وإصابة العشرات، ما أثار ردود فعل غاضبة واسعة دفعت وزير الصحة حسن التميمي، المدعوم من التيار الصدري، للاستقالة ولحق به عقب كارثة مستشفى الناصرية ، مدير صحة ذي قار التابع للتيار الصدري صدام الطويل. 
وبحسب مراقبين فان إعلان الصدر يهدف فيما يبدو إلى النأي بنفسه عن السخط الشعبي من حرائق المستشفيات، وانقطاع الكهرباء والمياه الذي فجّر احتجاجات واسعة ، مع علم المواطن العراقي ان اغلب هذه الدوائر الخدمية يديرها اتباع للصدر . 
كتلة"سائرون" التابعة للتيار الصدري كانت قد فازت بالانتخابات البرلمانية عام 2018، وحصلت على 54 مقعدا، من أصل 329 لتتوهج شهية الصدريين لتحقيق مكاسب اكبر في الانتخابات العامة المبكرة في تشرين الاول المقبل ،كما ان التيار الصدري وقبل اعلان الصدر انسحابه من الانتخابات ، كان يتطلع للحصول على منصب رئاسة الحكومة المقبلة، وقالها اكثر من مرة في اكثر من تدوينة ولقاء متلفز. 

انسحاب فعودة لاسباب لاتتعلق بعدم الجهوزية او الوضع الامني وغيرها ، ولكن لكسب وقت اكبر لتلميع وتبييض صور اضحت ضبابية وسوداء امام جمهورهم الذي يعتقد ان الصورة ستبقى "مقدسة" والى الابد

ولكن .. المتحدثة باسم مفوضية الانتخابات جمانة الغلاي أكدت عدم ورود أي "طلب رسمي" بالانسحاب من الانتخابات المقبلة، مبينة أن قرار الفصل بذلك يعود إلى مجلس المفوضين،  
وقالت الغلاي، أن باب قبول طلبات المنسحبين أغلق في 20 يونيو الماضي، مضيفة أن مفوضية الانتخابات صادقت على المرشحين وأنهت القرعة الخاصة بأرقام المرشحين، 
وتابعت "إذا قُدمت طلبات الانسحاب للمفوضية فإن القرار الأول والأخير والفصل يعود لمجلس المفوضين. 

وعاد الصدر في 27 آب 2021، واعلن من النجف في خطاب متلفز عودته لخوض الانتخابات المبكرة، معللا عودة تياره الى مسار الانتخابات بورقة اصلاح قدمتها الكتل السياسية الكبيرة كشرط مسبق له للعودة الى غمار خوض انتخابات تشرين. 
 
ويبدو من مواقف الصدر المتذبذبة ان انسحاب تياره كان "تكتيكيا" ، لاستجداء عواطف الناس وتحقيق مكاسب اخرى غابت عن التيار بعد سلسلة تراجع وفساد وسوء ادارة لمسؤولين صدريين رفيعين في مؤسسات مهمة على تماس بحياة المواطن وصحته وخدماته.   
 

 الحزب الشيوعي العراقي يعلن الانسحاب من الانتخابات

انسحاب فعودة..  لاسباب لاتتعلق بعدم الجهوزية او الوضع الامني واللوجستي وغيرها ، ولكن لكسب وقت اكبر لتلميع وتبييض صور اضحت ضبابية وسوداء امام جمهورهم الذي يعتقد ان الصورة ستبقى "مقدسة" والى الابد . 

 لا يمكن التكهن بتقلبات الحركة السياسية في العراق، حيث الملفات معقدة وغالباً ما تديرها القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في الساحة السياسية العراقية، مايؤكد ذلك استضافة بغداد لمؤتمر التعاون والشراكة الذي عقد السبت 28 آب 2021 وحضره زعماء دول عربية واقليمية وممثلون عن رؤساء دول تركيا وايران والسعودية،  بحضور الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، لبحث ملفات شائكة وسط احتقان يلف المنطقة برمتها،وقد يخرج المؤتمر ميتا مثل سابقاته،لان ارادة التغيير والاصلاح، تكمن من هنا من العراق، لا من خلف الحدود. 

يرجح محللون سياسيون سبب اتخاذ الصدر قرار الانسحاب ومن ثم العودة  بانه يعود "لخشيته" من عدم الحصول على المقاعد التي وعد بها جمهوره في الانتخابات والتي تصل لـ100 مقعد

ويرجح محللون سياسيون سبب اتخاذ الصدر قرار الانسحاب ومن ثم العودة  بانه يعود "لخشيته" من عدم الحصول على المقاعد التي وعد بها جمهوره في الانتخابات والتي تصل لـ100 مقعد ، بعد هزات سياسية اسقطت اتباعه المتصدين للمسؤولية الحكومية وكشفت تخبطهم وفساد بعضهم وعدم قدرتهم على ادارة ملفات البلد الخدمية ، بل راحوا يديرون ملفاتهم الشخصية واملاكهم وثرواتهم التي جنوها ،وهو يصرح مرارا بانه غير معني بهم وغير راض عنهم ، وبالتالي فان الصدر يريد اعادة ترتيب اوراقه من جديد وفقا للمعطيات الشعبية ومخرجات الاحتجاجات التشرينية والاحداث المتسارعة صيف هذا العام، لينتهي المطاف به بالعودة للمشاركة في الانتخابات قبل اكثر من شهر على اجراىها. 

صورة لبعض انصار الصدر يقدمون على حرق بطاقاتهم الانتخابية بعد قرار مقتدى الصدر بالانسحاب من الانتخابات

ويؤكد اكاديميون ان ملفات الفساد وحوادث الحرائق التي اندلعت في المستشفيات والمباني الأخرى، والاتهامات التي طالت التيار الصدري بأنه يمسك بمناصب في الصحة والكهرباء والموارد المائية والبنك المركزي، كانت سببا لأن ياخذ الصدر فسحة من الوقت يلملم بها شتات تياره ويحسن سمعة اتباعه، ليعلن من جديد أن وافق على المشاركة في الانتخابات من بوابة "وثيقة اصلاح" قدمها قادة الكتل السياسية!  والاصلاح المنشود هو ماينتظره العراقيون في انتخابات تشرين لا بوثيقة لمعت الانسحاب وباركت العودة.

وعلى خلفية انسحاب الصدر،  في تموز الماضي، كتب القيادي المنشق عن التيار الصدري، غيث التميمي، تدوينة قال فيها: "قبل أن يتكهن المحللون في طبيعة قرار مقتدى الصدر الانسحاب من الانتخابات، أعطيكم المعلومة الحقيقية : "أبلغه الكريماوي (قيادي صدري) ومن معه في الماكنة الانتخابية بالأرقام بأنه لن يحصل على أكثر من 30 مقعدا في أحسن الأحوال، وهنا جن جنونه، وصرح بأنه سيقتل لتحريك الشارع الصدري، ثم أعلن انسحابه من أجل الوطن"! .

صورة لزعيم التيار الصدري يتصدر مرشحيه ليعلن عودته للمشاركة في الانتخابات

وأردف التميمي : "الوجه الثاني لإعلان مقتدى الصدر انسحابه من الانتخابات تكشفه الرايات خلفه، وأهمها راية (جيش المهدي) التي ترمز للحرب الأهلية، التي أعلن مقتدى استعداده لها بعد انسحابه من الانتخابات، لم يبق للقوى الشيعية مسار سوى تغيير قواعد اللعبة، أو مواجهة مسلحة بعد انحسار الحلول عبر الانتخابات". 
  
يذكر ان إعلان الصدر مقاطعته الانتخابات، اثار ردود أفعال ومناشدات له بالعدول عن تلك الخطوة مع تقديم تفسيرات، كما طرحت خطوته أسئلة كثيرة منها ، هل أن الانسحاب جاء لضرورات تأجيل الانتخابات المبكرة لكسب الوقت وترتيب الأوراق وحث الجمهور الصدري ليكون أكثر جاهزية؟
وهذا ما حدث فعلا الجمعة 27 آب 2021، وعاد الصدر الى حيث كان يريد، مغتنما تعاطف اتباعه وبكاءهم عليه،  معلنا مشاركته في انتخابات تشرين. 
 
 خطوة إعلامية وشعبية قاسية بعد عزلة طوعية استمرت لاكثر من شهر آتت اكلها وعاد المنسحبون، بعد تأمينهم  مخارج سياسية للحفاظ على الطموح بكرسي رئاسة الوزراء. 
 
انسحابات من استحقاق شعبي في مرحلة حساسة ومن ثم عودة تتعلق" بمصلحة الشعب" حسب تعليل الصدر،  تعني امرين، الاول ادراك المنسحبين انهم جُربوا ولم يعد لهم موطئ قدم يحققون من خلاله ارقاما تزيد مقاعدهم الانتخابية في ظل منافسة شرسة ونضج شعبي بدأ يميز بين من جربه وبين الدماء الجديدة التي رشحت لخوض الانتخابات المبكرة، والثاني هو لَمُ الشتات وكسب الوقت واستمالة عواطف الناس ،وايا كان الامر، فان القوى السياسية الاخرى المجربة وغير المجربة تسعى لخوض الانتخابات كاستحقاق وحلبة منافسة يفوز بها من يقنع الناس بان برنامجه سيكون قريبا من هموم شعب لم ير الخير منذ اول دروة انتخابية وحتى اليوم، وعليه ان يستبدل تلك الوجوه ، ايا كانت "مقدسة او غير مقدسة" بوجوه اكثر اشراقا وانتاجا وضميرا وخدمة لشعبها .

 

 



 

اختيار المحررين