"طريق التنمية"جنين في رحم التحديات

12044 مشاهدة
09:08 - 2023-06-05
تقاریر و تحقیقات

الداعي نيوز / تقارير وتحقيقات  
 
في 27 أيار 2023 ، اعلن رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني، عن مشروع "طريق التنمية" الذي يمتد من أقصى جنوب العراق إلى تركيا ،وقال السوداني خلال كلمته في افتتاح مؤتمر "طريق التنمية"، إن "طريق التنمية بما يحمله من منصات للعمل وقيمة مضافة للنواتج القومية والمحلية ورافعات اقتصادية، هو خطة طموحة ومدروسة لتغيير الواقع نحو بنية اقتصادية متينة"، مضيفا أن "هذا المشروع ركيزة للاقتصاد المستدام غير النفطي، وعقدة ارتباط تخدم جيران العراق والمنطقة". 
وأشار السوداني، إلى أن "ميناء الفاو الكبير في محافظة البصرة، قطع شوطا كبيرا نحو الإتمام، وسيكون بوابة لهذا الحراك الاقتصادي المهم وسوف تتكامل مع الميناء المدن الحضرية، التي سنؤسس بجوارها مدينة صناعية ذكية هي الأحدث في المنطقة والعالم، وستحاكي التطور التكنولوجي الحالي والمتوقع للسنوات الخمسين المقبلة" ، مؤكدا أن "العراق سينطلق بهذا المشروع الواعد نحو شراكة اقتصادية مع دول الجوار والمنطقة، تجعل بلداننا مصدرة للصناعات الحديثة والبضائع، وسنعتمد في كل هذا على الممرات متعددة الوسائط، وأكثر من (1200) كم من السكك الحديدية، وتشغيلها البيني المشترك، والطرق السريعة". 

طريق التنمية وضمن تفاصيله الفنية ، سيشهد بناء مدن صناعية قريبة منه ، ومدن سكنية جديدة تبعد عن مراكز المدن الكبرى من 10 إلى 20 كم، وتستوعب عددا كبيرا من السكان في ظل الكثافة السكانية التي أدت إلى أزمة سكنية في العراق

انطلق مؤتمر مشروع "طريق التنمية"، في 27 أيار 2023 ، بمشاركة إيران والمملكة العربية السعودية وتركيا وسوريا والأردن والكويت والبحرين وقطر والإمارات وعُمان، ويبدأ من محافظة البصرة في أقصى جنوب العراق ويمر بعشر محافظات عراقية وصولا إلى تركيا ومنها إلى أوروبا. 
 
ماهو طريق التنمية ؟ 
طريق يربط تجارة شرق العالم بغربه، وتصل الأرباح السنوية التخمينية إلى قرابة (4) مليارات دولار فضلا عن توفيره (100) ألف فرصة عمل ،وينطلق هذا الطريق من ميناء الفاو الكبير، وهو متعدد الوسائط ومزدوج الاستخدام من طرق سريعة تمر عبرها شاحنات نقل البضائع، وسكك حديدية لنقل السلع والمسافرين ،ويتحول من خلاله العراق إلى محطة رئيسية للتجارة ومحطة نقل كبرى بين آسيا وأوروبا ينخفض فيه زمن الرحلة البحرية من (33) إلى (15) يوما. 
 
تصل كلفة المشروع إلى (17) مليار دولار، (10) منها لشراء قطارات كهربائية سريعة تنقل الحمولات في غضون (16) ساعة، فيما ينفق المتبقي لمد شبكة سكك الحديد بطول (1200) كم. 
 
وزارة النقل العراقية، تحدثت عن المشروع وقالت في بيان ، "ان المشروع  سينجز بحلول عام 2028 ،وقد وصلت نسبة إنجازه حاليا إلى ( 40%) من نقطة انطلاقه في مرفأ الفاو الكبير" ، واضافت الوزارة، ان "السعة القصوى لمرفأ ميناء الفاو الكبير تبلغ حوالي (3.5) مليون وحدة مكافئة وفق الأفق المفترض عام 2028 فيما ستبلغ حوالي (7.5) مليون وحدة مكافئة وفق الأفق المفترض عام 2038. 
 
مشروع طريق التنمية والقناة الجافة، ان صدقت النوايا ورأى النور سيكون مشروعا اقتصاديا مهما ليس للعراق وتركيا فحسب ،بل للعالم والمنطقة، حيث يربط الطريق الشرق بالغرب وسيكون ممرا عالميا لنقل البضائع بخط للسكك الحديدية وخطوط للنقل البري ومرفأ الفاو الكبير وهو أكبر ميناء في الشرق الأوسط والمدينة الصناعية للطاقة التي ستكون من أضخم المدن الصناعية في الشرق الأوسط. 

يرى متابعون بان ثمة تحديات حقيقية قد تواجه مشروع طريق التنمية قبل الشروع به ،ابرزها شروط إقليم كردستان، وارتفاع مطالب الجارة سوريا كخط بديل، وامكانية الشركة الإيطالية المنفذة 

يرى متخصصون "متفائلون" بان العراق سيصبح قبلة للاقتصاد العالمي بمجرد إنجاز هذا المشروع ، الذي يعد وبحسب المتخصصين بديلا عن طريق الحرير او الاتفاقية الصينية المبهمة حتى اليوم. 
مدير الإعلام والاتصال الحكومي في وزارة النقل ميثم الصافي، اوضح في بيان ،إن" رؤية ومنهاج وزير النقل واضحة ولا لبس فيها، إذ أكد مرارا بأن ميناء الفاو هو أقرب نقطة للحمولات البحرية نحو أوروبا، وبالتالي فان الدول المصدرة ترغب في تصدير سلعها ومنتجاتها عن طريق ميناء الفاو الكبير، مايعني توفير موارد اقتصادية إضافية كبيرة ومهمة لخزينة الدولة، وتشغيل آلاف الأيدي العاملة من العراقيين" ، مضيفا أن "المشاريع التي يجري إنجازها ضمن المرحلة الأولى لميناء الفاو الكبير، تمت بتوجيه وإشراف مباشر من وزير النقل، وتشهد نسب إنجاز متقدمة، التزاما بالتوقيتات المحددة، بعد تجاوز أي عقبات تعتري العمل في مشاريع الميناء". 
 
وبين الصافي ، ان طريق التنمية لا يتعارض من حيث التصميم مع أي مشروع اقتصادي تنموي، وإنما هو نواة التنمية الاقتصادية للعراق، الذي سيصبح وجهة اقتصادية عالمية مهمة بمجرد إنجازه. 
 
تخطط الحكومة العراقية ضمن مشروع طريق التنمية، لإنشاء قطارات عالية السرعة لنقل البضائع بسرعة تبلغ 140 كم في الساعة، في حين تُقدر السرعة القصوى لنقل الركاب بـ 300 كم (186.41 ميلاً) في الساعة ،وتُقدر التكلفة الأولية لمشروع "طريق التنمية" بـ17 مليار دولار،لكن عقبة تمويل المشروع بهذا المبلغ الضخم قد تقف بوجه الشركاء ، مع الاعتراف بعدم قدرة الحكومة العراقية على التمويل في ظل العجز الكبير في الموازنة العامة ، مايدعو الحكومة العراقية الى عمل شراكات مع القطاع الخاص، والذي يواجه هو الاخرمشكلة في  توفير المال اللازم ، مايدعو الحكومة الى اللجوء لاستثمار مجموعة من الشركات العالمية مع شراكات محلية، وهو الحل الاقرب بحسب متخصصين ، لتنفيذ المشروع خلال سنوات قليلة ، حيث من المخطط أن تنتهي المرحلة الأولى من هذا المشروع بحلول عام 2028، على أن تنتهي المرحلة الثانية بعدها بـ 10 سنوات. 
 
دارت حول مشروع "طريق التنمية" الكثير الشائعات والحملات المضللة ، ويبدو وبحسب مسؤولين في وزارة النقل، بان الهدف منها هو وأد أي نهضة اقتصادية للعراق، مشيرين الى ان من يعترض حاليا على طريق التنمية، كان من أشد المعارضين للاتفاقية الصينية سابقا. 
 
لكن .. مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المهتمين بالشأن الاقتصادي، قالوا ان مشروع الربط السككي يصب في صالح إيران فقط، وأنه لنقل البضائع الإيرانية، وأن المشروع سيحول العراق إلى مجرد ممر بري يخدم دول الجوار ولا يعود على العراق بمردودات مالية ، رافضين المقارنة بين مشروع طريق التنمية وقناة السويس في مصر . 
 
الدكتور عبد الرحمن المشهداني، أستاذ الاقتصاد في الجامعة العربية، يرى من وجهة نظره، أن هذا المشروع يعد إحياء لمشروع "البصرة-برلين" الذي كان قد اتفق عليه الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني والسلطان العثماني عبد الحميد الثاني قبل أكثر من قرن من الزمان، بهدف ربط الشرق الأوسط بالقارة الأوروبية. 

قد يكون مشروع طريق التنمية واعدا بالنسبة للعراق بحسب ماتروج له الحكومة العراقية وقد يعيد البلد الى سكة الاقتصاد والتبادل التجاري والعبور ، لكن الضبابية التي تحيط بالمشروع تستدعي وقفة لدراسته من جميع الجوانب

 ويوضح المشهداني، بأن أكبر مكسب للاقتصاد العراقي من هذا المشروع هو تطوير قطاع النقل المتهالك، والذي سيجلب معه نهضة في قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة وغيرها من القطاعات التي عانت خلال الأربعين سنة الماضية، بالاضافة الى انه سيكون محطة لتنشيط الحركة التجارية، وتطوير العلاقات بين أوروبا والشرق. 
 
طريق التنمية وضمن تفاصيله الفنية ، سيشهد بناء مدن صناعية قريبة منه ، ومدن سكنية جديدة تبعد عن مراكز المدن الكبرى من 10 إلى 20 كم، وتستوعب عددا كبيرا من السكان في ظل الكثافة السكانية التي أدت إلى أزمة سكنية في العراق ، كما انه وان صحت هيكلية المشروع المتداولة حاليا سينعش التبادل التجاري بين الدول المشتركة ضمن المشروع،وسيوفر آلالاف من فرص العمل ، وسينعش ايضا قطاع المياه في العراق، حيث يتضمن خطة لتحلية مياه البحر، في الوقت الذي يشهد فيه العراق أزمة في المياه . 
 
قد يعود طريق التنمية بالفائدة على العراق، حيث سيحصل على عائدات "الترانزيت" و تصدير بعض السلع المحلية التي من الممكن للعراق  اعادة تنشيطها ، لكن الأهمية الكبيرة للمشروع ستصب في صالح دول اخرى غير العراق ،من حيث تقليل تكلفة نقل البضائع بين أوروبا وآسيا وصولا إلى الهند والصين ، اذ تعول الصين والهند على هذا المشروع في زيادة صادراتها إلى أوروبا عبر موانئ العراق وتركيا، كما ان تركيا ستكون الرابح الاكبر من خلال حجم البضائع ومدخولاتها والتي تصدر الى العراق عبر هذا الطريق. 
 
تحديات طريق التنمية ..  
يرى متابعون بان ثمة تحديات حقيقية قد تواجه مشروع طريق التنمية قبل الشروع به ،ابرزها شروط إقليم كردستان، وارتفاع مطالب الجارة سوريا كخط بديل، وامكانية الشركة الإيطالية المنفذة ، وهذا ما اشار اليه مصدرمسؤول في وزارة النقل، والذي اكد ان المشروع يواجه إشكالات كبيرة قد تعيق البدء به من الأساس ، محددا الاسباب التي تعيق المشروع، ومنها عدم وجود خطة سكك لتركيا مع الحدود العراقية، ويضيف المسؤول ، أنه "حتى لو وافقت تركيا وأوصلت شبكة سكك للحدود العراقية، فإن إقليم كردستان رفض مد شبكة سكك عبر دهوك، وصولا للحدود التركية"، حيث أن شبكة السكك الحديدية  يجب أن تمر بمسافة 4 كم، عبر دهوك قادمة من الموصل، وهذا ما رفضه الإقليم، لأنه يؤثر على معبر إبراهيم الخليل، ويقضي على فائدته الاقتصادية التي تعود للإقليم".   
 
ويضيف المسؤول ،أن "المسار الثاني للخط، سيكون عبر الموصل ثم ربيعة ومنها الى سوريا وتركيا، لكن العائق الكبير أمام هذا المسار البديل، هو شروط الجانب السوري التي طالبت مؤخرا بأجور "ترانزيت" عالية جدا عن مرور القطارات في أراضيها، وحددتها بـ7 يورو لكل طن من البضائع أي ما يعادل نحو 8 دولارات، مع أن سعر النقل السككي العالمي لا يتجاوز 3 دولارات، وفي حال استحصلت سوريا هذا المبلغ، سيكون المشروع خاسرا للعراق بالكامل". 
 
الباحث والمتخصص بالنقل والاقتصاد الدولي زياد الهاشمي، بين أن "هذا المشروع ينطوي على خطأ استراتيجي منذ البداية، فالشركة الإيطالية التي تم الاتفاق معها، هي مختصة بالمصافي، وليس النقل، ومنحت الإحالة بشكل مباشر دون عطاءات، وقدمت دراستها بناء على ما أرادت الحكومة العراقية، وهو أن الطريق إيجابي" ، ويضيف الهاشمي، بأن "الدراسة تفتقر لتوضيح حاجة سوق النقل، أو مفاتحة الدول والشركات التي ستستخدم الطريق، مبينا أن "الحكومة لم تطرح الأمر على إقليم كردستان أو سوريا، فما جرى هو الإعلان عنه والترويج له بشكل كبير، دون أن تتم معرفة كيف سيستخدم ومن سيستخدمه، وهذا يعد هدرا للمال العام، فكيف تتم المجازفة بـ18 مليار دولار بهذا الشكل" ،بحسب قوله .   

ويشير الهاشمي ايضا الى ، أن "مستشاري السوداني يجب أن يدرسوا معوقات وسلبيات المشروع  قبل الإيجابيات، لكن ما جرى هو ترويج اعلامي للإيجابيات فقط، والحديث بالمشروع من قبل أشخاص غير متخصصين أساسا"، مبينا أن "المشروع ينطوي على صعوبات كبيرة" ، منها ان منطقة الإقليم الحدودية، وعرة وجبلية، وشبكة السكك بحاجة لأرض مستوية قدر الإمكان، وإذا وافق الإقليم وتم حسم الموضوع معه لمد الشبكة، فهناك احتمال بأن يتغير المسار عبر أنفاق أو غيرها، وهذه ستزيد من التكلفة، كما ستزيد من كلفة التأمين لأن المنطقة خطيرة على البضائع، وهذه جميعها كان يجب أن تأخذ بالحسبان، لكنها لم تدرس ولم يصل أي وفد لهذه المنطقة الحدودية".   

 تخطط الحكومة العراقية ضمن مشروع طريق التنمية، لإنشاء قطارات عالية السرعة لنقل البضائع بسرعة تبلغ 140 كم في الساعة، في حين تُقدر السرعة القصوى لنقل الركاب بـ 300 كم (186.41 ميلاً) في الساعة 

كما اوضح الهاشمي، أن "العراق منعزل عن موضوع النقل الدولي، منذ 90 عاما، وهو الآن يريد لعب دور مهم عبر ميناء الفاو والقناة الجافة، لكن منظومة النقل الدولي تصنف موانئ العراق على أنها فرعية وداخلية وليست محورية، وهذه أزمة، ولا يمكن أن يتغير هذا التصنيف بسهولة ولمجرد خطاب لرئيس الحكومة".   
عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني، وفاء محمد كريم، من جهتها قالت : أنه "لا يمكن القبول بسحب سلطة الإقليم من المنطقة الحدودية مع تركيا، فهذه المنطقة خاضعة للإقليم، لذا يجب أن يكون هذا الممر السككي خاضعا للإقليم، وبخلاف ذلك لا يمكن القبول به"، وهذا بحد ذاته تحد اخر يضاف الى سلسلة التحديات والمعوقات التي قد تواجه مشروع طريق التنمية .    
 
قد يكون مشروع طريق التنمية واعدا بالنسبة للعراق بحسب ماتروج له الحكومة العراقية وقد يعيد البلد الى سكة الاقتصاد والتبادل التجاري والعبور ، لكن الضبابية التي تحيط بالمشروع تستدعي وقفة لدراسته من جميع الجوانب ، وثمة امر اخر لابد من اخذه بالحسبان هو ان الحكومات العراقية المتعاقبة لم تنجز ولو لمرة واحدة مشروعا استراتيجيا مكتملا قبل انتهاء ولايتها ، ما يعني ان الحكومة التي ستعقب حكومة السوداني قد تنسف كل الاساسات التي بنتها سابقاتها ، بسبب تخلل الوضع السياسي في البلاد ، وهو امر لا يعترض عليه اثنان . 
 
مشاريع استراتيجية كبيرة بحجم مشروع طريق التنمية الذي تصدى له العراق واحتضن مؤتمرا كبيرا خاصا به لابد ان تكون مردوداته على قدر اهميته وحجمه ، وان صح ونفذ المشروع بنجاح فهذا يعني ان العراق قد دخل مرحلة جديدة من عدم الاعتماد على النفط موردا وحيدا وبدأ بتنويع وارداته وتعظيمها، وفي انتظار المستقبل القريب ثمة احتمالان لاثالث لهما ، اما ان يرى طريق التنمية النور ويعود على العراق بالخير، واما ان يعود على الاخرين بالخير ويكون العراق مجرد جسر للعبور وحينها يصدق المثل الشائع "اسمك بالحصاد ومنجلك مكسور ".

اختيار المحررين