"طَبطِبوا" على "ركَي" السياسيين !!

13304 مشاهدة
10:18 - 2022-06-10
تقاریر و تحقیقات

الداعي نيوز / تحقيقات وتقارير
 
بدءا ولضرورة ملحة ولأن الوضع في العراق استثنائي في كل الاوقات وفي كل شيء ،اخترت استثناءً ، ان استهل التقرير بحكاية قصيرة كمعبر يفسر متن الموضوع ، اذ يحكى ان شابا عراقيا يدرس في الولايات المتحدة الامريكية يقول: "اشتهت نفسي يوما" الركي"  فذهبت الى محل الفاكهة في (هيوستن) في ولاية تكساس لشراء "ركية" وحين وصلت الى محل الفاكهة ورأيت "الركي" وأخذت أتحسس كل واحدة وأطبطب عليها حتى اخترت واحدة، كانت بجواري امرأة أمريكية تشاهد الموقف، فقالت لي مستغربة: لماذا تطبطب على الركي؟ قلت لها حتى أختار واحدة حمراء وطعمها حلو المذاق ، فنحن من عادتنا أن نطبطب على الركي قبل شرائه ، فسألتني : هل لك ان تطبطب لي على واحدة من اختيارك ؟ فرحتُ بطلبها وانتابني شعور بالفخر وكأنني امثل سمعة العراق ، واخذت اطبطب على واحدة حتى اخترت ركية حلوة جدا، فقالت لي المرأة : شكرا لك  يبدو أنك من أصول عربية هل لي ان أعرف من أي بلد انت ؟ قلت لها أنا من العراق  فابتسمت وقالت : ليتكم تطبطبون على المسؤولين عندكم قبل اختيارهم، فضحكنا معا ومضت هي ومضيت انا الى حال سبيلي.  
 

سياسيون غادروا المشهد السياسي العراقي

ما احوج العراقيين اليوم لمن يرشدهم الى ما يكنه باطن ممثليهم من السياسيين، فبعد اكثر من 19 عاما على تدوير انفسهم في السلطتين التشريعية والتنفيذية اثبتت التجارب السابقة ولاء كثير منهم لكتل وأحزاب سياسية لم تقدم للبلد وللشعب ما يكان ينتظرها من استحقاق وطني ، وتعرض العراقيون لـعملية "تضليل وخداع" ما أدى بالنتيجة لاهتزاز ثقة الشعب بهؤلاء ممن يدعون الحرص على بلدهم ومواطنيهم وثروات شعبهم، وراحوا يبنون لانفسهم قلاعا متينة تعلو كل دورة برلمانية على رؤوس السذج من الناس بعد خداعهم كل اربع سنوات بان ثمة تغيير قادم ينتشل البلد من واقع الى واقع افضل ويوفر لشعبه الكرامة والعيش الرغيد !!

بُني المشهد السياسي في العراق بعد 2003، على المحاصصة الحزبية والطائفية وضعف الأداء وعجز شبه تام عن تحقيق تطلعات الشعب وطموحاته بعد إزاحة الحكم الدكتاتوري، والانتهاء من نظام الحزب الواحد، وبدأ العراق عهدا جديدا من الديمقراطية عبر السماح بتشكيل الأحزاب وإطلاق الحريات السياسية والإعلامية، وحرية الرأي، مما شكل قفزة كبيرة في ميدان الحريات السياسية ،لكن كل هذا لم يعد على الشعب بالنفع بل عاد على تلك الاحزاب المتجذرة بالاموال والسلطة والمواقع ، وبات العراقيون يلعنون كل مرة اليوم الذي اختاروا فيه احزابا وممثلين فاسدين ، على امل تغييرهم في الدورات البرلمانية القادمة ، ولكن ماحصل ان نفس هؤلاء ونفس الناس عادوا الى المشهد مجددا ،فهذا اختار من اختاره سابقا وذاك رقص على جراح من اختاره مجددا ، ولم يتعظ الاثنان.

 ما احوج العراقيين اليوم لمن يرشدهم الى ما يكنه باطن ممثليهم من السياسيين، فبعد اكثر من 19 عاما على تدوير انفسهم في السلطتين التشريعية والتنفيذية اثبتت التجارب السابقة ولاء كثير منهم لكتل وأحزاب سياسية لم تقدم للبلد وللشعب ما يكان ينتظرها من استحقاق وطني ، وتعرض العراقيون لـعملية "تضليل وخداع"

كان لتعطّش العراقيين للحرية والنظام الديمقراطي بالنسبة لشعب لم يجرّب النظام الحزبي المتعدد، ولم يذقْ سوى قمع واستبداد نظام الحزب الواحد، الاثر البالغ في استغلال هذا التعطش من قبل احزاب تفردت بالسلطة على مدى 19 عاما من التغيير ،لتبدأ مرحلة جديدة من الحريات لم يألفها العراقيون من قبل ، واستبشر الجميع بمشاركة واسعة للشعب في صناعة سياسة البلاد، لكن سرعان ما هوت احلام العراقيين على صدمة كبرى وكذبة اكبر من رجال حسبوا انفسهم على السياسة، واكتشف الناس بعدها انهم مجرد تجار يمارسون تجارتهم من خلال خداع الناس بوهم الديمقراطية التي لم يذق طعمها العراقيون حتى اليوم .
 
ومع تقادم التجربة الديمقراطية في العراق، بدأت عيوب الأحزاب تظهر جلية، وبدأ معها الفشل في ادراة الدولة والفساد المالي والاداري والمحسوبية في كل مفاصل الدولة العراقية ، والمؤلم حقا ان الفاسد والسيء يعتلي كلما تجددت دورة برلمانية جديدة سلم السلطة وبمرتبة اعلى، وكأن البلد يكافئه على فساده ، وعجزت الأحزاب العاملة في الميدان السياسي عن تقديم صورة حقيقية للديمقراطية، إذ تحكمت الأنظمة الدكتاتورية بالأحزاب بشكل تام وباتت لدينا بدل دكتاتورية واحدة عدة دكتاتوريات.
 

سياسيون يتصدرون المشهد السياسي الحالي

لم تستطع الأحزاب السياسية المرتبطة هنا وهناك التفاعل الجاد مع الشعب وخياراته، ولم تحقق الأمنيات الضائعة في عهد الحزب الواحد، والحكومات المستبدة الفاشلة، بل غرقت في المصالح الذاتية والحزبية الضيقة ،ولم يكن السياسيون العراقيون قادرين على تجسيد خيارات شعبهم ولم يجعلوا من انفسهم سنداً وقوة لشعب يكافح لاجل عيش كريم وحرية حقيقية ، ولم يؤدوا امانة رسالتهم الوطنية وواجبهم الاخلاقي والانساني تجاه ناخبيهم ، بل خذلوا من اختارهم وراحوا يعبدون طرق سرقة المال العام واستغلال السلطة لتكون سالكة لعوائلهم واحزابهم، وانعدمت الثقة وحدثت القطيعة بين الشعب المتعطش للخدمات والارتقاء بالبلد وبين ممثليه من سياسيي الاحزاب المخضرمة .
 
باتت الأحزاب تعاني من جفوة كبيرة بينها وبين الجماهير، فعجز الأحزاب وقادتها عن تقديم الديمقراطية بصورتها الصحيحة للجماهير من أهم أسباب فشلها، فضلا عن التطرف والتعصب الديني والقومي والمذهبي ، وراحت تقدم مصالحها على مصالح الشعب، حتى فقدت تأييده ولم يعد يثق بها بسبب كل الانتكاسات في العمل السياسي والصراع على السلطة وهدر ثروات البلد، لتشهد اغلب  مدن العراق احتجاجات واسعة طيلة السنوات الماضية ضد الطبقة السياسية الحاكمة وأحزابها ،حيث عكست هذه الاحتجاجات تزايد الغضب الشعبي والهوة فيما بينها وبين تلك الاحزاب .
 

باتت الأحزاب تعاني من جفوة كبيرة بينها وبين الجماهير، فعجز الأحزاب وقادتها عن تقديم الديمقراطية بصورتها الصحيحة للجماهير من أهم أسباب فشلها، فضلا عن التطرف والتعصب الديني والقومي والمذهبي

من المؤسف أن تكون مصالح السياسيين مقدَّمة على حقوق الناس، وهي علامة فشل تهدد مستقبل هذه الأحزاب ووجودها، والفرصة في تثبيت الحكم الرشيد والحريات وحق المعارضة وحفظ حقوق الشعوب ، وضاع الحكم الديمقراطي النموذجي للدولة العراقية وربما تضيع فرصة العهد الديمقراطي بعد زوال الحكم الاستبدادي، ان لم يستشعر الشعب ولو لمرة واحدة خطر هؤلاء ويبدأ بالبحث عن بواطن السياسيين الحقيقيين الاصلاء لتصحيح المشهد السياسي والبدء بعملية تغيير كبرى .
 

خاطبت الممثلة الاممية في العراق جينين بلاسخارت، في تقرير موجه للسياسيين العراقيين والمرشحين قبل الانتخابات المبكرة في اكتوبر 2021 ، قائلة "لا تخذلوا الشعب العراقي، وينبغي أن تكون خدمة المواطنين - مهما كانت خلفيتهم، أو معتقدهم، أو دينهم، أو رأيهم، أو قناعتهم - على رأس أولوياتكم، ويتوجب أن يكون التركيز على الحلول التي تمثل مصالح كل الناس، فالحلول التي لا تخاطب سوى الغالبية أو مكون معين على وجه الخصوص سيتعذر الدفاع عنها على المدى الطويل" ،واضافت "تصدوا للفساد المستشري، عالجوا الإهمال، حاربوا عدم الكفاءة، اتركوا جانباً المصالح الحزبية الضيقة، تجاوزوا الفئوية والمحاصصة، ولا تسمحوا بنهب مؤسسات الدولة وباشروا على الفور بالإصلاحات التي تمس الحاجة إليها، واعملوا على تنويع الاقتصاد لتقليل هشاشة العراق إزاء تقلبات أسعار السلع ، وقالت ايضا : "اوقفوا الترهيب والاعتداءات وعمليات الاختطاف والاغتيال وضعوا حدا للإفلات من العقاب، واعلموا أن المساءلة هي السبيل لاستعادة ثقة الناس، واعملوا على ذلك، فللشعب العراقي الحق في أن يعرف ،اعملوا على تحسين قدرة العراق المحلية على مواجهة الأزمات، ولا تقعوا فريسة لتجاذبات القوى الخارجية، اكبحوا جماح الجماعات المسلحة التي تواصل العمل خارج سيطرة الدولة سواء أكانت أجنبية أم محلية وأكّدوا على سيادة وسلطة الدولة."

 من المؤسف أن تكون مصالح السياسيين مقدَّمة على حقوق الناس، وهي علامة فشل تهدد مستقبل هذه الأحزاب ووجودها، والفرصة في تثبيت الحكم الرشيد والحريات وحق المعارضة وحفظ حقوق الشعوب

لكن خطاب بلاسخارت  ذهب ادراج الرياح ولم يسمعه سوى صداها ، مثلما ذهبت وعود السياسيين ولم يتذكروا شعبهم بل تذكروا كيف يتقاسمون المغانم في السلطة ويتصارعون على المواقع وكل فرح بحزبه ، حتى بات مجلس النواب "علوة" لبيع المناصب واللجان والمواقع وكأن لسان حالهم يقول: "فليذهب الشعب الى حيث" !! وعليه فليتعلم العراقيون من الان كيف يطبطبون على "ركي "السياسيين قبل اختيارهم حتى لايقعوا في المحظور المتكرر كل دورة برلمانية ، وعليهم ان يختاروا  "ركية" حمراء حلوة المذاق تسر العراقيين.
 

اختيار المحررين