الغبار الأصفر والحزام الأخضر !

4880 مشاهدة
10:43 - 2022-05-13
تقاریر و تحقیقات

الداعي نيوز / تحقيقات وتقارير  

مع انتهاء فصل الشتاء من كل عام يعيش العراقيون في دوامة موجة غبار تجتاح المدن العراقية متسللة من خلف الحدود عابرة محافظات العراق الغربية والجنوبية مع تسجيل المئات من حالات الاختناق ومصرع العشرات، لاسيما كبار السن والاطفال ومن لديهم امراض مزمنة في الجهاز التنفسي، حيث يفاقم الوضع المزري للبلاد من تداعيات موجات الغبار المتكررة في ظل نظام صحي مترد وواقع بيئي مهمل وعدم وجود مصدات طبيعية كحزام اخضر يحد من موجات الغبار القاسية التي تؤرق العراقيين وتحيل اجواء البلاد الى اشبه بدوامة من عتمة صفراء دون حلول حكومية تذكر.  


اندثار بساتين النخيل وغياب الحزام الأخضر والجفاف الذي يضرب معظم محافظات العراق كلها عوامل ساعدت على انتشار التصحر وجفاف الارض وبالتالي اصبح العراق بيئة خصبة ،ولكن خصبة بالنسبة للغبار والتربة لا للزراعة والنماء، واضحت الحياة الطبيعية في اغلب مدن العراق صعبة قاحلة بسبب الإهمال الحكومي خلال عقود من الزمن، اضف الى ذلك قطع ما تبقى من الأشجار وغياب الخطط الزراعية الواعدة وعدم اكتمال مشروع الحزام الاخضر الذي طرحته الحكومة عام 2012. 

اندثار بساتين النخيل وغياب الحزام الأخضر والجفاف الذي يضرب معظم محافظات العراق كلها عوامل ساعدت على انتشار التصحر وجفاف الارض وبالتالي اصبح العراق بيئة خصبة ولكن خصبة للغبار والتربة لا للزراعة والنماء

ان حاجة المواطنين إلى المنازل، في ظل ازمة السكن دفعت معظم العراقيين الى  قلع أشجار البساتين، وتحويل أراضيها إلى قطع سكنية،ماادى الى تجريف البساتين والمناطق الزراعية وعلى مدى سنوات. 

يعد الحزام الأخضر واحدا من المصدات الخضراء، ومنها أشجار الكالبتوس والصفصاف والأثل وغيرها والتي تستطيع تحمل الجفاف وملوحة الأرض،و تزرع معظم دول العالم المصدات بشكل متداخل وعلى شكل صفوف في مناطق هبوب الرياح الصحراوية حول المدن للتخفيف من حدتها وتأثيراتها السلبية على البيئة والسكان ، مايمنع التغيرات المناخية الشديدة ويدفع تاثيرها عن البيئة والناس، لكنه مركون في ادراج الحكومة حاله حال الكثير من المشروعات المتوقفة بفعل التشابك السياسي القائم والصراع على المواقع والمناصب.  

وكيل وزير الصحة والبيئة، جاسم الفلاحي، اوضح في تصريح ، إن "العراق تأثر كثيرا بمسألة التغير المناخي، وهو مصنف على أنه من أكثر خمس دول تضررا بالتغيرات المناخية، ما يعني المزيد من الجفاف، وتدهور الأراضي وزيادة معدل التصحر، وقلة الامطار وضعف الإيرادات المائية، ما ينعكس سريعا على زيادة معدلات العواصف الترابية"، ويضيف الفلاحي ، :"العواصف لها تداعيات مباشرة على حياة المواطنين، خاصة الذين يعانون الحساسية، وكذلك مرضى الربو، بالإضافة إلى تأثيراتها على الجوانب الاقتصادية المتعلقة بالتصدير النفطي، وحركة الملاحة الجوية والبحرية". 

حالات اختناق وأمراض تنفسية وتصحر وجفاف وغياب للدور الحكومي في الحد من تنامي موجات الغبار المتصاعدة التي يشهدها العراق منذ دخول فصل الصيف هذا العام 2022  والاعوام السابقة

ومن المسلم به أن العاصمة بغداد، وأغلب المحافظات بحاجة إلى حزام أخضر، يعمل كمصدات للعواصف الغبارية، ومشروع "الحزام الأخضر" ، يعني زرع ملايين الأشجار حول العاصمة بغداد، والمدن الأخرى، لوقف هجمات الغبار، على المدن ، لكنه لم يرَ النور بعد ،لكن ما يحصل حاليا هو اعتداء على ما تبقى من الغطاء النباتي، حيث جُرفت الكثير من البساتين، والمناطق الخضراء، وتم تحويلها إلى مدن، مع غياب الرقابة البيئية والدور الحكومي، وعدم وجود ارادة حقيقية لانشاء حزام اخضر وخزانات مياه لانعاش الاراضي الزراعية ايام شح الامطار وتذبذب المناخ.  

رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي ، ومن خلال مقررات "الورقة البيضاء" دعا الى تشكيل لجنة عليا لوضع استراتيجية وطنية هدفها تعزيز الاقتصاد الأخضر، وإطلاق حملة لزرع مليون شجرة وانشاء الواحات المسيجة، وكذلك المشاريع الممولة الهادفة إلى زيادة مرونة المجتمعات تجاه التغيرات المناخية، ومكافحة التصحر، ولكن شيئا من هذا لم ينجز على ارض الواقع حيث تشير وزارة الزراعة إلى حاجة العراق لأكثر من 14 مليار شجرة لإحياء المناطق التي تعاني من التصحر، ارقام وفرضيات وتنظير حكومي ، وادراك  لازمة التصحر والجفاف لكن دون حلول تذكر على ارض الواقع، مع توقع وزارة البيئة، ارتفاع عدد الأيام المغبرة في السنة إلى 300 يوم بحلول العام 2055. 

مدير عام الدائرة الفنية في وزارة البيئة عيسى الفياض، يشير الى إن "أهم الأسباب الرئيسية في تأخر تنفيذ الحزام الأخضر حول المدن، هو قلة المخصصات المالية اللازم توفيرها لاستدامة الأحزمة الخضراء، بالإضافة إلى قلة الموارد المائية التي يجب أن توفر لهذه المساحات الشاسعة بسبب الشح المائي الذي يعاني منه البلد خلال العقد الأخير" مشددا على ان "التغيرات المناخية عامل أساسي في زيادة موجات الغبار، وبحسب الإحصائيات المسجلة من قبل الهيئة العامة للأنواء الجوية، فقد ارتفع عدد الأيام المغبرة من 243 يوما إلى 272 يوما في السنة لفترة عقدين من الزمن، ومن المتوقع أن تصل إلى 300 يوم مغبر في السنة عام 2055".
 
ساعد شح المياه على تدهور الزراعة عموما في العراق،  ويشير تقرير صادر عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة في العام 2021  إلى أن مستويات المياه عبر نهري دجلة والفرات قد انخفضت إلى أكثر من 60 بالمائة خلال عقدين من الزمن، كما أن قطع إيران طوال الشهور الماضية معظم الأنهار المتدفقة من أراضيها نحو العراق، تسبب بجفاف شديد وتصحر في معظم مناطق شرقي البلاد. 

خبراء في الشأن البيئي دعوا الى مراجعة وتفعيل مشروع الحزام الاخضر ،الذي تم طرحه عام 2012 والاستفادة من تنفيذه في مواجهة الزحف الصحراوي، مؤكدين ان مشروع الحزام الاخضر، تم طرحه عام 2012 اي قبل 10 سنوات ،وان مدة تنفيذه تتراوح مابين 5 الى  10أعوام ،اي أنه لو تمت المباشرة به حينها ،لكان العراق الان يمتلك غطاء نباتيا واسعا وحزاما اخضر على مستوى عال والاجواء اكثر صفاءً ونقاء، مضيفين ان المشروع يسهم في ايقاف الزحف الصحراوي ومنع وصوله الى العمق العراقي وحماية خصوبة وادي الرافدين والانتاج الزراعي وايقاف التدهور البيئي وحماية التنوع الاحيائي المهدد بسبب التغيرات المناخية وارتفاع حرارة سطح الارض، فضلا عن خلق فرص عمل لآلاف المواطنين من مختلف المحافظات.  

كما بين الخبراء ، ان الحزام الاخضر يساعد على الوقاية من الامراض التي تسببها العواصف الترابية والغبار،وتقليل الضغط على المستشفيات والمستوصفات الوطنية وتوفير كلف العلاج والتخفيف عن كاهل المواطنين من ضحايا العواصف الغبارية، مشددين على ضرورة قيام العراق، بدوره المطلوب في مكافحة التصحر والتكيف مع التغيرات المناخية القاسية في المنطقة ،انسجاما مع التزاماته ضمن اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة التصحر، مشيرين الى ان امانة بغداد، كانت قد اكدت عام 2016 جاهزيتها لتنفيذ الحزام الاخضر، لكن لم يتحقق منه شيء. 

وزارة البيئة، المعنية الاول بالامر اشارت في بيان ،الى ان (زيادة العواصف الترابية وارتفاع نسب الغبار في الاجواء لها تأثيرات سلبية عديدة على الواقع البيئي ،منها تلوث الهواء الجوي بالجسيمات العالقة التي تحملها ذرات الغبار مع العواصف الرملية ما يجعل الهواء ملوثا وغير صحي، اضافة الى إلحاق الضرر بالنباتات الطبيعية التي تتعرض للعواصف الرملية وتؤدي الى جفافها تلف المحاصيل الزراعية أو تأخير نموها بسبب ترسب الغبار على الاراضي الزراعية. 

واضافت الوزارة ان "سقوط الامطار مع العواصف الترابية يؤدي الى امطار طينية، وأن للعواصف تأثيرات صحية سلبية بسبب استنشاق الجزيئات العالقة والملوثات الموجودة في الغبار"، مضيفة "ان من بين الحلول الناجعة التي يجب القيام بها لتفادي تأثير العواصف الترابية هي زيادة مساحة الغطاء النباتي، وانشاء الغابات التي تعمل كمصدات للرياح من اشجار مناسبة قوية الجذوع وسريعة النمو وقليلة الحاجة للمياه وتتحمل درجات حرارة مرتفعة، وان من شأن هذه الاشجار تقليل كميات الغبار في الاجواء"، مبينة ان هذا الامر يتطلب اجراء دراسة تتضمن تحديد نوع العواصف الترابية ومواقع اختلال الضغط الجوي ونوع الاشجار. 

حالات اختناق وأمراض تنفسية وتصحر وجفاف وغياب للدور الحكومي في الحد من تنامي موجات الغبار المتصاعدة التي يشهدها العراق منذ دخول فصل الصيف هذا العام 2022  والاعوام السابقة، ومشاريع بيئية معطلة وحزام اخضر اضحى اصفر، وانسداد في كل شيء ،(بيئي وسياسي) والعراقيون يتلقون ضربات الواحدة تلو الاخرى وطقس ملبد بكل مايؤرق الناس، فهل يحفز كل هذا ضمير المتصدين للمسؤولية في البلد وينبروا فورا بوضع خطط كفيلة للحد من هذا التردي الذي اتى على كل شيء، واخرها بلد جاف لازرع فيه ولاماء؟!

 

 

اختيار المحررين