هل تراجع الصدر "توافقيا" ؟

4983 مشاهدة
11:43 - 2022-03-15
تقاریر و تحقیقات

الداعي نيوز/ تحقيقات وتقارير

في ظل الازمة السياسية التي تعصف بالبلاد والانسداد السياسي الذي اغلق طرق الديمقراطية ونزل الى حافة ليّ الاذرع ،بعد ما افرزته انتخابات تشرين المبكرة 2021 ، وازمات كثيرة مزمنة، فان من المرجح ان يسير تشكيل الحكومة العراقية الجديدة بذات السيناريو المتكرر بعد كل دورة برلمانية مايعني ان "حكومة توافقية " قد تلوح في الافق وعدا كل هذا يبقى مجرد شد وجذب بين الفرقاء الاصدقاء تارة الاعداء تارة اخرى ، وما الجديد في تشكيل الحكومة الا وجهها ،لتبقى توافقية تتبع الأولويات السياسية والايديولوجية والدولية لمن يتصدون للمشهد السياسي الان وفق استحقاق انتخابي اتت به انتخابات تشرين التي وضع عليها اخرون علامات استفهام كثيرة . 

صورة لاجتماع الصدر بالاطار التنسيقي في بيت هادي العامري في العاصمة بغداد

يريد مقتدى الصدر تشكيل حكومة "أغلبية وطنية" "لاشرقية ولاغربية " لانه يريد استبعاد بعض القوى منها وعلى رأسها ائتلاف "دولة القانون" بزعامة نوري المالكي، بخلاف بقية القوى الشيعية ضمن "الإطار التنسيقي" التي تطالب بحكومة توافقية تشارك فيها جميع القوى السياسية داخل البرلمان حالها حال الحكومات السابقة! معادلة تبدو دون حل.  

ولاتزال أزمة تشكيل الحكومة العراقية تتصاعد دون التوصل إلى اتفاق بين الأطراف السياسية المختلفة، وتحديداً الشيعية منها، وعاد زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر لتجديد الدعوة لحكومة "الأغلبية الوطنية"، بعد لقائه الاول مع قادة الإطار التنسيقي ، بينما يخوض حراكاً موسعاً لمحاولة تجاوز أزمة تشكيل الحكومة، إلا أنها لم تثمر عن أي اتفاق، خصوصاً مع التيارات "الولائية" ، فكل يريد ملء سلته متجاوزين بذلك استحقاقا شعبيا خرج بتظاهرات عارمة عمت اغلب مدن العراق لاسيما جنوبه ، وبين هذا وذاك تعسرت ولادة ما ينتظره العراقيون من امل بل وُئِدَ في رحمه .  

عاد الصدر واجرى اتصالا هاتفيا برئيس ائتلاف "دولة القانون"، نوري المالكي، وهو الأمر الذي مثّل مفاجأةً كبيرةً لدى الشارع العراقي، والذي وصفه مراقبون "بإعادة إحياء مشروع التوافق والمحاصصة

عاد الصدر واجرى اتصالا هاتفيا برئيس ائتلاف "دولة القانون"، نوري المالكي، وهو الأمر الذي مثّل مفاجأةً كبيرةً لدى الشارع العراقي، والذي وصفه مراقبون "بإعادة إحياء مشروع التوافق والمحاصصة"، بل الامر الذي كشف المخفي وعرى حقيقة المطالبة بحكومة اغلبية وطنية ، لتعود حليمة الى عادتها ، توافق وطوائف وتكتلات ، وكأن انتخابات تشرين لم تكن سوى محطة استراحة للقوى المتسلطة لتنطلق منها الى تجديد جلدها بآخر اشد وادهى . 

اجتماع مقتدى الصدر بالحلبوسي وبارزاني والخنجر في الحنانة

طُرح اسم جعفر الصدر، ابن عم زعيم التيار الصدري، ونجل محمد باقر الصدر، لمنصب رئاسة الوزراء، وهو الأمر الذي بدأ حوله التوافق في بادئ الأمر، وبدأت بعده بوادر الانفراج في الأزمة بين التيار الصدري والإطار التنسيقي، ليؤسس لعودة الحكومات التوافقية مرة أخرى، ما ولد رفضا كبيرا لدى الاوساط الشعبية العراقية لمبدأ عودة المحاصصة، ماجعل الصدر يتدارك امره ليغرد في تدوينة له  على حسابه في تويتر أكد فيها عزمه التوجه لـ"تشكيل حكومة أغلبية وطنية لا شرقية ولا غربية" !  

ويرى مراقبون للشأن السياسي بإن تراجع الصدر عن مواقفه السابقة مع أطراف الإطار التنسيقي يعطي انطباعاً بأنه "كان قد تعرض إلى ضغوط داخلية وخارجية دفعته للتنازل، واخرون يرون انه يردد شعار الاغلبية الوطنية ويبطن التوافقية، لارضاء اتباعه وخصومه على حد سواء . 

اثار القصف الايراني لفيلا في أربيل

وعلى مايبدو ان المحاصصة والتوافق سيعودان لامحالة  إلى أجواء تشكيل الحكومة المقبلة، بعد فشل الصدر والإطار التنسيقي في الاتفاق على رؤية موحدة و صراع الإرادات داخل القوى الشيعية ومحاولات كل طرف فرض وجهة نظره على الطرف الآخر، فاختاروا التوافقية بديلا عن الاستحقاق وتقاسم المناصب في الغرف المظلمة بديلا عن "الاصلاح" ! وقد يكون الصراع حول تقاسم الحقائب الوزارية ومساحة الحضور في مجلس الوزراء المقبل عقبة أخرى بوجه الفرقاء .  

ويرى مراقبون بإن تراجع الصدر عن مواقفه السابقة مع أطراف الإطار يعطي انطباعاً بأنه " قد تعرض إلى ضغوط داخلية وخارجية دفعته للتنازل، واخرون يرون انه يردد شعار الاغلبية الوطنية ويبطن التوافقية

ويرى محللون سياسيون استراتيجيون أن القصف الإيراني لمدينة أربيل مؤخرا ،مرتبط بفشل المفاوضات بين القوى السياسية وتحديدا الصدر والاطار، وقد يستغل من قبل حلفاء إيران في شروط التفاوض فيما يتعلق بتشكيل الحكومة المقبلة ويقوي الضغوط على القوى الكردية لدفعها لتقديم تنازلات، وهذا ما اكده رئيس الجمهورية برهم صالح، في تغريدة على "تويتر"، حيث قال : "القصف يأتي في توقيت مُريب مع بوادر الانفراج السياسي، ويستهدف عرقلة الاستحقاقات الدستورية بتشكيل حكومة مقتدرة"، ولطالما ترددت عبارات "الاقتتال الداخلي" و"الحرب الشيعية - الشيعية" والمخاوف من توتر الأوضاع الأمنية من قيادات في "الإطار التنسيقي" والموالون لايران، للتحذير من مغبّة استبعادهم من تشكيل الحكومة. 

السيد جعفر بن السيد محمد باقر الصدر

مدير منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة "غالوب الدولية"، منقذ داغر، يرى أن ما دفع الصدر إلى التراجع بعد الإعلان عن اتفاق مع أطراف "الإطار التنسيقي" هي "ردود الأفعال الواسعة الرافضة للتوافق"، مبيناً أن ردود الأفعال تلك "كشفت للصدر عن أنه سيخسر أكثر بكثير مما سيربح من أي اتفاق مع تلك الأطراف".

ويضيف داغر : "أن أي اتفاق مع أطراف الإطار التنسيقي سيؤدي إلى العودة للتوافق ،الأمر الذي يؤدي إلى خسارة التيار الصدري الكثير مما كسبه خلال الفترة الماضية نتيجة إصراره على مشروع الأغلبية". 

مقتدى الصدر يستقبل رئيس تحالف الفتح هادي العامري في الحنانة

وعلى مايبدو ان خيارات زعيم التيار الصدري، الحائز على أكبر مقاعد في البرلمان ، لاتبدو كثيرة ، حيث ان  توافق الصدر مع أطراف الإطار التنسيقي يعني مخالفة قواعده الجماهيرية والشارع العراقي، الأمر الذي يدخله ربما في أزمة تجعل الحكومة المقبلة ضعيفة تشبه سابقاتها وقد لاتدوم طويلا . 

منقذ داغر كاتب ومحلل سياسي

كل مايريده مقتدى الصدر هو تسيد المشهد السياسي في العراق وقد يتنازل لاجل هذا ويسمح بإدخال الأطراف الموالية لإيران في توافقات ضمنية، فغايته ليست استبعاد أطراف الإطار التنسيقي، بل عدم إدخالها ندا له داخل الأجواء الشيعية . 

يرى محللون سياسيون استراتيجيون أن القصف الإيراني لمدينة أربيل مؤخرا ،مرتبط بفشل المفاوضات بين القوى السياسية وتحديدا الصدر والاطار

توافق واغلبية ووطنية ولاشرقية ولاغربية ، وصواريخ تقصف السفارات واربيل ووضع امني هش واقتصاد يتداعى وغلاء في الاسعار ودولار يرتفع ، والعراقيون لايريدون سوى بلد يحكمه اناس يمتلكون ضميرا لا اكثر .. وعلى مايبدو ان المواقف السياسية المتعنتة هي مجرد زوابع اعلامية لغاية في نفس اصحابها ومآرب اخرى اشد وافتك من سابقاتها ، فبين ليلة وضحاها تراجع الصدر من مطلب حكومة اغلبية وطنية الى توافقية وبعدها بساعات اعادها لاشرقية ولاغربية ، والاخرون يكيدون بعضهم لبعض .. ماهكذا تكون السياسة ياساسة .
 

اختيار المحررين