ظاهرة التسوّل تتسع .. ولا حلول

3354 مشاهدة
09:51 - 2022-02-19
تقاریر و تحقیقات

الداعي نيوز / تحقيقات وتقارير

تفاقمت في الآونة الاخيرة وبشكل ملفت ظاهرة التسول في العراق، وانتشرت في شتى الطرق والشوارع وقرب التقاطعات وفي الاحياء السكنية وبين المحال التجارية وعند العتبات المقدسة والاسواق وغيرها ، متسولون ومن مختلف الاعمار والجنسيات، واكثرها تديرها  مافيات الاتجار بالبشر من عصابات الجريمة المنظمة ، وتشير بعض البيانات الاستقصائية غير الرسمية الى ان أعداد المتسولين من الأطفال حتى نهاية عام 2021 بلغت نحو 200 ألف طفل، يضاف إليهم بمثل هذا العدد من المسنين والمسنات وبعضهم من جنسيات عربية واسيوية.  

أعداد المتسولين من الأطفال حتى نهاية عام 2021 بلغت نحو 200 ألف طفل

ويشكل هؤلاء المتسولون وعلى اختلاف اعمارهم، لاسيما الشباب والشابات منهم كنزا بالنسبة للعصابات والجماعات المسلحة والخارجة عن القانون، لاستغلالهم في عمليات اجرامية او اتخاذهم وسيلة للكسب من خلال توفير الحماية لهم ، حيث ان الكثير من هؤلاء المتسولين ، لاسيما الأطفال والنساء، استقطبتهم تلك العصابات للعمل بالاجرة تحت التهديد تارة وتارة بدعوى توفير الحماية لهم، الأمر الذي يهدد أمن البلد والمجتمع على حد سواء.

يقول الخبير القانوني علي التميمي ،أن "المشرع العراقي عاقب على جريمة التسول بوصفها من الجرائم الاجتماعية في قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل حيث نصت المادة 390/1 بان (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن شهر كل شخص أتم الثامنة عشرة من عمره وكان له مورد مشروع يتعيش منه او كان يستطيع بعمله الحصول على هذا المورد وجد متسولا في الطريق العام او في المحلات العامة أو دخل بدون إذن منزلاً أو محلاً ملحقاً لغرض التسول وتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر اذا تصنّع المتسول الإصابة بجرح أو عاهة أو ألحَّ في الاستجداء)"، ويضيف : "اما بالنسبة للمتسول الذي لم يتم الثامنة عشرة من عمره فقد نصت الفقرة الثانية من المادة نفسها على انه (اذا كان مرتكب هذه الأفعال لم يتم الثامنة عشرة من عمره تطبق بشأنه احكام مسؤولية الأحداث في حالة ارتكاب مخالفة ويجوز للمحكمة بدلا من الحكم على المتسول بالعقوبة المنصوص عليها في المادة السابقة أن تأمر بإيداعه مدة لا تزيد على سنة داراً للتشغيل إن كان قادراً على العمل أو بإيداعه ملجأً أو داراً للعجزة أو مؤسسة خيرية معترف بها اذا كان عاجزاً عن العمل وإن المشرِّع العراقي قد تعامل مع هذه الجريمة بصورة إنسانية وكان الهدف من العقوبة هو وقائي وإصلاحي.

يلقي التفكك الاسري والمشكلات الاجتماعية وتردي الواقع الاقتصادي وسهولة امتهان التسول بظلاله على انتشار هذه الظاهرة  في بلد تتصارع فيه الاحزاب وتتقاسم الثروات

بدورها حذرت وزارة الداخلية العراقية من وجود عصابات تدير شبكات التسول في البلاد، وتستغل النساء والأطفال ، فيما تؤكد انها تسعى لوضع الخطط الكفيلة للحد من انتشار هذه الظاهرة بالتعاون مع المؤسسات المعنية لاسيما وزارة العمل والشؤون الاجتماعية .

ويقول اللواء خالد المحنا، المتحدث باسم وزارة الداخلية ، إنّ "مشكلة التسوّل بدأت في الاتساع بشكل كبير، حتى باتت تواجه جميع المواطنين، وان هذه المشكلة مُركّبة ولا تتعلق بجهة واحدة، ويجب أن يكون هناك علاج حقيقي لها بحسب قوله ، ويؤكد المحنا ،ان هناك حملات يومية من قبل قوات الشرطة لملاحقة المتسوّلين، وان الاجهزة الامنية تركّز على الجوانب التي تمثل خطراً على حياة الأطفال كاولوية قصوى ، ويضرب مثلا عن ذلك بان "قوات الشرطة ألقت القبض على شخص وشقيقه وزوجته يديرون أحد الأماكن الذي يضم 16 شخصاً يعملون في التسول"، في اشارة الى ان هناك مافيات تقف وراء التسول مستغلة الأطفال والنساء.

يعتبر الصغير أو الحدث مشردا اذا وجد متسولا في الأماكن العامة حسب المادة 24 لعام 1983 من قانون الاحداث

ويلقي التفكك الاسري والمشكلات الاجتماعية وتردي الواقع الاقتصادي وسهولة امتهان التسول بظلاله على انتشار هذه الظاهرة  في بلد تتصارع فيه ارادات السياسة والاحزاب وتتقاسم هذه الارادات ثروات البلد على الجانب الاخر .

الشرطة المجتمعية المعنية بالحد من هذه الظاهرة والتابعة لوزارة الداخلية تؤكد، أنّ مراكزها تتابع ملف التسول بشكل يومي وان هذا الملف يأخذ حيزاً كبيراً من اهتمامها ومتابعتها، بسبب مايحمله من مخاطر وتأثيرات سلبية على المجتمع ، كما يؤكد احد ضباط الشرطة المجتمعية، ان دائرته تتلقّى يومياً عشرات الشكاوى من المواطنين، يطالبون بوضع حد للمتسولين الذين يجوبون المناطق السكنية،وأنّ أغلب حالات التسول التي تخضع للتحقيق يتضح أنها عبارة عن شبكات تديرها مافيات منتشرة في أغلب المحافظات، مشيرا الى  وضع خطط  للتعامل مع المتسولين وكشف تلك المافيات .

وزير العمل والشؤون الاجتماعية عادل الركابي

وحذر وزير العمل والشؤون الاجتماعية عادل الركابي، من تحول ظاهرة التسول الى مصدر يدر أموالاً طائلة للمافيات التي تديرها، مشيرا الى إن ظاهرة التسول بحاجة الى وضع سياسة تشترك فيها جميع الجهات الأمنية والخدمية والاوقاف والاعلام، للخروج بقرارات ومعالجات حقيقية لمواجهة خطر انتشارها في البلاد، كما بين ان التسول تحول الى ما يشبه المافيات بعد انتشاره بشكل واسع في البلاد، واصبحت هذه الظاهرة تدر اموالاً كبيرة على جهات منتفعة منها تحميها جهات متنفذة ايضا ، مشدداً على اهمية ان يكون هناك جهد مشترك يسهم فيه الجميع للسيطرة على انتشارها بهدف القضاء عليها ، لافتا الى ضرورة معالجة تسرب الأجانب الى البلاد بطرق غير شرعية، ومتابعة وضعهم القانوني، لكون وجودهم بات يؤثر بشكل كبير على  فرص العمل ويفاقم مشكلة البطالة.

فيما يؤكد اللواء خالد المحنا المتحدث باسم وزارة الداخلية ، إن هناك مؤشرا لقيام بعض عصابات الجريمة المنظمة باستغلال الأطفال وكبار السن لغرض التسول، وان وزارة الداخلية اتخذت إجراءات بحق البعض منهم ، مبينا أن ظاهرة التسول من المشكلات الحقيقية التي تواجه المجتمع العراقي والسبب هنالك نسبة كبيرة من الناس تتأثر بالوضع الاقتصادي حيث ان اغلب هؤلاء هم دون خط الفقر ، ويوضح المحنا ان مكافحة التسول لا تتعلق بوزارة الداخلية فقط، وانما هناك دور للمجتمع أيضاً" ، حيث ان الشخص الفقير الذي لا يجد قوت يومه يضطر الى التسول حتى وان تم توقيفه ليوم او يومين من قبل قاضي التحقيق، كونه لايجد بديلا لهذه المهنة  .

ان التسول ظاهرة تسيء لسمعة البلاد ولابد من التصدي لها بشكل علمي وعملي من خلال اشتراك جميع المؤسسات المعنية في جهد حقيقي يعالج هذه الظاهرة

 وتصنف وزارة الداخلية التسول الى أنواع، "النوع الأول هي الفئة المحتاجة التي لا تمتلك قوت يومها ولا تكفيهم مبالغ الاعانة الاجتماعية، والنوع الثاني هم الذين يكونون متبنين من قبل اشخاص أصحاب فنادق وبيوت كبيرة، ويقومون باستغلال هؤلاء الافراد بالتسول، والنوع الثالث هي فئة الأجانب من الجنسيات المختلفة من السوريين والباكستانيين وغيرهم، حيث يتم القبض عليهم وتسفيرهم الى بلدانهم.

مديرية الاقامة تدخل على الخط كمؤسسة معنية بالحد من ظاهرة التسول  الى جانب المؤسسات الاخرى المعنية ، حيث تؤكد ان ظاهرة المتسولين الأجانب من الجنسيات الاسيوية تفاقمت في الاونة الاخيرة وانتشرت في بغداد والمحافظات، قرب التقاطعات والساحات العامة وفي الاماكن الدينية والترفيهية ممن يحملون عاهات وتشوهات جسدية يستدرون بها تعاطف المارة، وبينت انها شرعت في نهاية عام 2021 ،بحملات واسعة وبجهود استثنائية وبالاشتراك مع جهاز المخابرات العراقي الوطني واستخبارات الوافدين والقوة الماسكة للأرض بألقاء القبض على (٧٠٠) من هؤلاء المتسولين الاجانب وتم ابعادهم خارج الاراضي العراقية لمخالفتهم شروط قانون اقامة الاجانب العراقي رقم ٧٦ لسنة ٢٠١٧.  

وتشير المادة 24 من قانون الاحداث رقم  (76) لسنة 1983 الى ظاهرة التشرد حيث نصت على ، انه (يعتبر الصغير أو الحدث مشردا اذا وجد متسولا في الأماكن العامة أو تصنّع الإصابة بجروح أو عاهات أو استعمل الغش كوسيلة لكسب عطف الجمهور بهدف التسول)، لكن هذه الجريمة أشرت زيادة في معدلات ارتكابها وتطورت أساليب المتسولين وذلك عن طريق مجاميع اعتبرتها تجارة مربحة. 

اللواء خالد المحنا المتحدث باسم وزارة الداخلية

ويشدد قانونيون على اهمية النظر في عقوبة هذه الجريمة الخطيرة وتفعيل تطبيق قانون رعاية الإحداث رقم 76 لسنة 1983 بحق الاحداث المشردين وتفعيل الدور الخاصة برعاية المسنين وأن تكون الإجراءات القانونية رادعة بحق هذا الوباء الخطير وهذه الظاهرة السلبية وإعادة النظر في احكام المادتين 390 و391 من قانون العقوبات العراقي. 

ان التسول ظاهرة تسيء لسمعة البلاد ولابد من التصدي لها بشكل علمي وعملي من خلال اشتراك جميع المؤسسات المعنية في جهد حقيقي يعالج هذه الظاهرة بوضع حلول حقيقية ناجعة تبدأ من معالجة الاسباب وصولا الى مكافحة العصابات التي تتخذ من المتسولين نافذة تدر عليها الاموال بسهولة ويسر دون رقيب او حسيب، وهنا لابد من ان تتصدى المؤسسة التشريعية ممثلة بالبرلمان العراقي، من خلال تشريع قوانين تنصف المجتمع وتعالج قدر المستطاع اوضاعه المعيشية وتحتضن الشباب والشابات في مراكز تدريب تاهيلية، وصولا الى زجهم في اعمال تحفظ كرامتهم وكرامة البلد،فالعلاج لاياتي بالاعتقال ان لم تسبقه خطوات عملية لتكييف اوضاع المحتاجين وفرزهم عمن امتهن التسول صنعة لجمع المال، فالإهمال الحكومي وعدم اتخاذ الإجراءات القانونية ومحاسبة المتسولين، مقابل عدم توفير فرص عمل للعاطلين أسهم بشكل كبير في تفشي الظاهرة.

اختيار المحررين