إنعاش قضائي

07:42 - 2026-07-20
القاضي اياد محسن

الداعي نيوز/ مقالات 

أتألم كثيرًا حين أسمع، أو أرى، أن إنسانًا يكاد يخسر حياته ويلفظ أنفاسه الأخيرة، وأشعر بالسعادة حين تأتيه جرعة الإنعاش الطبي لتعيده إلى الحياة. ليس ذلك فقط، بل إني أغبط الفريق الطبي الذي أنعش الحياة في قلبه، وأستشعر ثقل الأمانة التي وضعت في أعناق رجال العدالة، في مواقف حياتية قد تحتاج إلى إنعاش يأتي من خلال قراراتهم.
هذا المشهد المؤلم لا ينحصر في ردهات المستشفيات، فثمة موت آخر يقع خلف جدران المحاكم، بين أوراق القضايا ومستنداتها، حين يتهم إنسان بريء بارتكاب جريمة، وتتضافر عليه ظواهر الأدلة، فيضيق عليه خناق الاتهام، حتى تكاد حريته تلفظ أنفاسها الأخيرة. ولا يحتاج هذا البريء إلى أكثر من جرعة إنعاش قضائي، تفك عنه حبل المشنقة، أو تكسر عن جسده قضبان السجن، لتعيد إليه الحرية مجددًا.

هذا الإنعاش، ربما يأتي بقرار من القاضي الذي ينظر في القضية، أو بمشرط محكمة التمييز، التي تنظر في الطعون التمييزية وتصدر القرار بإنصاف متهم ضيقت عليه الأدلة الظالمة خناقها، أو ربما يأتي بدفع موضوعي ذكي من محامٍ بارع يسهم في تغيير قناعات المحكمة وقراراتها في القضية.
خذ -مثلاً- جريمة سرقة، السارق يستقل عجلة من ذات نوع عجلة المتهم، وذات اللون وسنة الصنع، ثم يأتي القاضي الحذق ليضع احتمال أن تكون هناك توأمة للعجلة، أي أن شخصًا آخر استخدم عجلة بذات مواصفات عجلة المتهم في ارتكاب الجريمة، فيطلب القاضي تقرير خبراء الأدلة الجنائية، الذي يأتي لينصف المتهم ويثبت توأمة العجلة. وخذ -مثلاً- متهمًا بارتكاب جريمة قتل، أثناء مشاجرة، فيأتي قرار محكمة التمييز لينقض قراري الإدانة والعقوبة، لأن المتهم استخدم حقه في الدفاع الشرعي، وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة، التي يظهر فيها الإنعاش القضائي جليًا واضحًا، ليعيد الحياة لمتهم كادت أن تأخذه الأدلة إلى سنوات السجن الطويلة.
من ذلك، نجد أن قضايا المحاكم تبدو، تمامًا، كرحلة الحياة، فمن جسد قد تضيق به الأنفاس فيمرض، إلى حرية قد تكبلها الشبهات فتخبو. ولا كرامة لإنسان على هذه الأرض إلا بجسد يكون معافى في صحته، وحرًا طليقًا في حركته، تحميه عدالة لا تغفو، وتنعشه حين يضيق عليه خناق الأدلة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعبر عن راي كاتبها